مرة أخرى، تستفيق ساكنة بلفاع على مشهد بات مألوفاً ومقلقاً في الآن ذاته: فيضانات لمياه الصرف الصحي تغمر المسالك الترابية وتتسلل إلى الحقول الفلاحية، محوِّلة مجاري الصرف إلى أنهار مكشوفة تنذر بمخاطر صحية وبيئية جسيمة. لم يعد الأمر حادثاً عرضياً يمكن تبريره بعطب تقني مفاجئ أو ضغط استثنائي على الشبكة، بل أصبح واقعا متكررا يعكس، في نظر كثيرين، خللاً بنيوياً في التدبير والصيانة.
المشهد الأخير، الذي يوثق تدفق المياه العادمة وسط الأراضي الزراعية، يطرح أكثر من علامة استفهام حول نجاعة البنية التحتية ومدى تتبع الأشغال المنجزة في إطار مشروع التطهير، الذي كلف – حسب المعطيات المتداولة – حوالي 5,5 مليار سنتيم. مبلغ ضخم كان من المفترض أن يضع حداً لمعاناة الساكنة مع “الواد الحار”، لا أن يجعلهم يعيشون فصولاً متكررة من القلق والاستياء.
المياه العادمة لا تهدد فقط البيئة، بل تمس بشكل مباشر صحة المواطنين، خاصة في المناطق القروية التي يعتمد جزء مهم من سكانها على الفلاحة. تسرب هذه المياه إلى الحقول يثير مخاوف من تلوث التربة والفرشة المائية، ويطرح إشكالات مرتبطة بجودة المنتوجات الفلاحية وسلامتها.
المسؤولية السياسية والإدارية في مثل هذه الحالات لا تحتمل التأجيل أو الصمت. فرئيس المجلس الجماعي، باعتباره المسؤول التنفيذي، مطالب بتقديم توضيحات دقيقة للرأي العام حول أسباب تكرار هذه الفيضانات، والإجراءات المستعجلة المتخذة لمعالجتها جذرياً. كما أن باقي أعضاء المجلس، خاصة اللجان المختصة، مدعوون للقيام بدورهم الرقابي كاملاً، والخروج ببلاغ يضع الساكنة في صورة ما يجري، بعيداً عن منطق التبرير أو تبادل الاتهامات.
إن تدبير مرفق حيوي كالتطهير السائل لا يتعلق فقط بأرقام وصفقات، بل يرتبط بثقة المواطنين في مؤسساتهم. وعندما تتكرر الأعطاب وتطفو المياه العادمة إلى السطح، فإن السؤال الذي يطفو معها هو: من يتحمل المسؤولية؟ وهل هناك تقييم حقيقي للمشروع واختلالاته إن وجدت؟
الرهان اليوم ليس في معالجة التسرب الحالي فحسب، بل في وضع خطة صيانة دائمة، ومراقبة تقنية صارمة، وربط المسؤولية بالمحاسبة عند الاقتضاء. لأن ما يحدث في بلفاع لم يعد مجرد مشكل تقني عابر، بل قضية صحة عامة وبيئة وكرامة مواطنين.
فالساكنة لم تعد تطالب بالمستحيل… بل بحق بسيط: شبكة تطهير تؤدي وظيفتها، وشفافية في التدبير، واحترام لحقهم في العيش في بيئة سليمة.














