سلسلة حلقات مدينة ايت ملول | الحلقة 3
تكشف معطيات حصلت عليها الجريدة عن صورة مقلقة لعدد من مشاريع التهيئة الحضرية والفضاءات الخضراء بآيت ملول، والتي رُصدت لها ميزانيات ضخمة دون أن تنجح في تحقيق الحد الأدنى من شروط الجودة والاستدامة؛ مما يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة تدبير المال العام، وجودة الدراسات، والمراقبة التقنية المصاحبة لهذه المشاريع.
ففي الوقت الذي خُصصت فيه اعتمادات مالية بملايين الدراهم لإنجاز ساحات عمومية، وحدائق، وتجهيزات حضرية، يُسجَّل تدهور مبكر لعدد من المرافق والأثاث الحضري، بما في ذلك الكراسي الخشبية، وحاويات النفايات، وأحواض النباتات؛ وهي تجهيزات كان يُفترض أن تصمد لسنوات طويلة بالنظر إلى طبيعة استعمالها والكلفة العالية التي تحملتها الجماعة.
ويبدو أن الإشكال لا يقتصر فقط على أعمال التخريب التي تطال بعض المرافق العمومية، بل يمتد إلى جودة المواد المستعملة منذ البداية. وتُشير المعطيات إلى أن بعض التجهيزات أُنجزت بمواد لم تكن الأنسب لتحمل الظروف المناخية، مما أدى إلى تشققها وتآكلها بسرعة، وتحولِ بعضها إلى عناصر مشوهة للمشهد الحضري بدل أن تشكل إضافة جمالية للفضاءات العامة.
وإذا كان التخريب سلوكاً مرفوضاً يستوجب الحزم والتحسيس، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم يتم منذ مرحلة التصميم اختيار تجهيزات أكثر صلابة ومقاومة؟ وهل دُرست خصوصيات المناخ المحلي ومتطلبات الصيانة قبل صرف هذه الاعتمادات المالية الكبيرة؟
والأكثر إثارة للانتباه هو ما تم تسجيله بشأن فضاءات ألعاب الأطفال؛ إذ تبين أن الأرضيات المطاطية المخصصة لحماية الأطفال من الصدمات بدأت تتدهور بوضوح بعد فترة قصيرة من إنجازها، حيث تعرضت أجزاء منها للتلف والاقتلاع، لا سيما بالقرب من الألعاب الأكثر استعمالاً، وهو ما يفقدها وظيفتها الأساسية المرتبطة بضمان السلامة والوقاية من الإصابات.
ولا تتوقف علامات الاستفهام عند حدود جودة التنفيذ، بل تمتد إلى مدى احترام المواصفات والمعايير التقنية المعتمدة دولياً. وتشير المعطيات إلى غياب الوثائق والدلائل الكافية التي تثبت إخضاع بعض المواد المستعملة للاختبارات التقنية المطلوبة، وهو معطى يستوجب توضيحات عاجلة من الجهات المشرفة على هذه المشاريع.
ومن بين الملاحظات الأكثر دلالة على وجود اختلالات في مرحلتي الإعداد والدراسة، ما يتعلق بإحدى بوابات المنتزه التي استوجب تصميمها لاحقاً هدم جزء من المنشأة وإعادة بناءه بعد انتهاء الأشغال. وحين تضطر الإدارة إلى إزالة جزء من مشروع حديث الإنجاز بسبب أخطاء في التصميم أو عدم ملاءمة المنشأة لوظيفتها، فإن الأمر يتجاوز مجرد خطأ تقني بسيط ليطرح علامات استفهام كبرى حول كفاءة الدراسات القبلية وفعالية المراقبة أثناء التنفيذ.
إن ما تكشفه هذه المعطيات لا يتعلق فقط بمرافق متضررة أو تجهيزات متآكلة، بل يعكس إشكالية أعمق ترتبط بطريقة تدبير المشاريع العمومية ومراقبة جودتها؛ فالمواطن لا يقيس نجاح المشاريع بحجم الميزانيات المرصودة لها، وإنما بمدى قدرتها على الاستدامة وتقديم الخدمة المطلوبة لسنوات دون الحاجة إلى إصلاحات متكررة أو إعادة إنجاز مكلفة.
وأمام هذه الاختلالات، تبرز الحاجة الملحّة إلى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح نقاش جدي حول جودة الدراسات التقنية، وتطوير آليات تتبع تنفيذ المشاريع ومراقبة المواد المستعملة، مع تحديد المسؤوليات بدقة في كل حالة يثبت فيها وجود تقصير أو سوء تقدير أدى إلى هدر موارد مالية كان من الممكن توجيهها نحو مشاريع تنموية أخرى أكثر نجاعة وفائدة للساكنة.













