سلسلة حلقات مدينة ايت ملول | الحلقة الأولى
تنويراً للرأي العام، وإيماناً بالدور الدستوري للإعلام الوطني في مراقبة تدبير الشأن العام وتتبع كفاءة السياسات المحلية، ارتأت جريدة “الرأي الآخر” تخصيص سلسلة من الحلقات الاستقصائية لتشريح واقع المجالس الجماعية على حدة، وسنبدأ هذه السلسلة من مدينة آيت ملول، حيث سنسلط الضوء في كل حلقة على قضية حيوية تؤرق حلم التنمية بالمدينة، واليوم نفتح ملفاً بنيوياً بالغ الأهمية يتعلق بمعضلة غياب الاستمرارية بين المجالس المتعاقبة وتأثيرها المباشر في تعثر المشاريع المبرمجة وهدر المال العام والزمن التنموي.
إن الاستمرارية بين المجالس الجماعية المتعاقبة تمثل صمام أمان وضمانة أساسية لإنجاح التخطيط الاستراتيجي وتحقيق التنمية المستدامة الشاملة، فالحفاظ على زخم العمل وتراكم المكتسبات يمنع، بالضرورة، هدر الموارد والجهود ويضمن استكمال الرؤى طويلة المدى، وإذا كان إعداد برنامج عمل جديد لكل مجلس يشكل فرصة لإدراج مشاريع تنموية جديدة تترجم الوعود الانتخابية، إلا أن تحقيق النجاعة المطلوبة يقتضي إلزاماً أخذ المشاريع المبرمجة سابقاً بعين الاعتبار، لا سيما تلك التي قُطعت فيها أشواط إجرائية أو رُصدت لها اعتمادات مالية، لكن، وعند تفحص واقع الحال بجماعة آيت ملول، يتضح أن هذا المبدأ يغيب في محطات رئيسية، مما يحول المخططات التنموية إلى مجرد حبر على ورق، ويورث الساكنة تركة ثقيلة من المشاريع المتعثرة نتيجة قرارات تفتقر إلى التنسيق البعدي والاستمرارية السياسية.
ويعد مشروع إنجاز منتزه المزار أحد أبرز الشواهد على معضلة غياب التنسيق والهدر المسطري والمالي، فقد تضمن برنامج عمل الجماعة للفترة 2017-2022 مشروعاً طموحاً لإنشاء هذا المنتزه على مساحة إجمالية تصل إلى 7 هكتارات، وبُذلت في هذا الصدد جهود حثيثة لتعبئة الوعاء العقاري حيث تم إبرام اتفاقية رسمية مع إدارة المياه والغابات، وإنجاز كافة الدراسات التقنية الخاصة التي تطلبتها خصوصية المشروع، إلى جانب دراسة تقنية أخرى تهم مشروعاً موازياً بلغت تكلفتها الإجمالية 108,000.00 درهم، غير أن المفاجأة تمثلت في تعثر إنجاز المشروع قبل انتهاء الولاية السابقة للمجلس، ولم يتوقف الأمر عند التعثر المسطري بل تجاوزه إلى سحب حصة الاعتمادات التي كانت مخصصة لتمويل هذا المشروع في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مما فوت على المنطقة فرصة تنموية حقيقية.
وبالرغم من إعادة إدراج مشروع المنتزه في برنامج العمل الحالي 2022-2027، إلا أن الجماعة تخلت عملياً عن التصور الأصلي، إذ طرأ تغيير جوهري على الوعاء العقاري في تصميم التهيئة المصادق عليه بموجب المرسوم رقم 2.23.1126 بتاريخ 25 يناير 2024، ونتيجة لهذا التعديل، تقلصت المساحة المخصصة للمنتزه من 7 هكتارات إلى 3 هكتارات فقط، في حين تم تخصيص الـ4 هكتارات المتبقية لاحتضان مخيم ، وبناءً على هذه التغييرات، لم تتحقق الغاية المتوخاة من الإجراءات المتخذة خلال الولاية السابقة لتصفية عقار منتزه المزار، فضلاً عن عدم جدوى النفقات المالية التي صُرفت على الدراسات التقنية السابقة، والتي أصبحت بحكم الواقع غير قابلة للاستغلال ومدرجة في خانة المال المهدور.
ولا يختلف سيناريو التجميد والتعثر كثيراً بالنسبة لمشروعي إنجاز قاعة مغطاة ومسبح بقصيبة الطاهر، وهما المشروعان اللذان أدرجا كذلك في برنامج عمل الفترة 2017-2022، وكانت الجماعة السابقة قد قطعت أشواطاً في إنجاز الدراسات المعمارية والتقنية الخاصة بهما، وتقدمت بشكل ملموس في مسطرة تسوية وضعية العقار المحتضن لهما لضمان انطلاق الأشغال في بيئة قانونية سليمة، ومع الانتقال إلى برنامج العمل الحالي 2022-2027، وبالرغم من إعادة إدراج هذين المرفقين الرياضيين الحيويين، إلا أن قيام الجماعة الحالية بإدخال تعديلات جديدة على حدود الوعاء العقاري أعاد الملفين إلى نقطة الصفر، هذا الإجراء ساهم بشكل مباشر في إطالة أمد مسطرة تسوية العقار المعقدة أصلاً، مما تسبب في تأخير شديد وغير مبرر لتنزيل المشروعين على أرض الواقع، وحرمان شباب وساكنة قصبة الطاهر من مرافق سوسيو-رياضية طال انتظارها.
إن ما يحدث في جماعة آيت ملول يسائل بعمق نجاعة آليات التخطيط الاستراتيجي المحلي إذا كانت تخضع للأهواء السياسية وتتأثر بغياب التنسيق بين الولايات الانتدابية المتعاقبة، فإهدار اعتمادات الدراسات التقنية، وتغيير معالم الأوعية العقارية بعد تصفيتها، وسحب تمويلات الشركاء كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ليس مجرد أخطاء تدبيرية عابرة، بل هو ضرب صارخ في عمق النجاعة الحكامية والمصلحة الفضلى للمواطن الملولي، وتضع جريدة “الرأي الآخر” هذه الحقائق الموثقة أمام أنظار الرأي العام والجهات الرقابية المسؤولة، في انتظار ما ستسفر عنه الحلقات المقبلة من كشف لملفات جماعية أخرى .












