يشهد قطاع الصحة بإقليم اشتوكة آيت باها دينامية جديدة تروم معالجة الخصاص البنيوي الذي طالما أثّر على جودة الخدمات الصحية، وذلك عبر اتفاقية شراكة متعددة الأطراف جاءت نتيجة تنسيق مؤسساتي مكثف وتدخلات مباشرة لعامل الإقليم، إلى جانب المندوبية الإقليمية للصحة ومختلف الشركاء الترابيين والمؤسساتيين، بهدف تعزيز العرض الصحي وتقريب الخدمات من ساكنة الإقليم، خاصة بالمناطق القروية والجبلية.
واقع صحي متأزم وضغط متزايد
على امتداد السنوات الماضية، عانت ساكنة اشتوكة آيت باها من محدودية العرض الصحي ونقص حاد في الموارد البشرية الطبية وشبه الطبية، وهو وضع انعكس سلباً على جودة الخدمات المقدمة داخل المراكز الصحية والمستشفى الإقليمي، في ظل ارتفاع الطلب على العلاج وتنامي الحاجيات الصحية المرتبطة بالنمو الديمغرافي واتساع المجال الترابي.
ويُعد ضعف التأطير الطبي من أبرز التحديات المطروحة محلياً، إذ يجد عدد كبير من المرضى أنفسهم مضطرين للتنقل نحو أكادير أو أقاليم مجاورة للاستفادة من تخصصات غير متوفرة محلياً، ما يثقل كاهل الأسر ويكرّس الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج.
تدخلات عامل الإقليم وشراكة مؤسساتية
أمام هذا الواقع، برزت تدخلات عامل إقليم اشتوكة آيت باها باعتبارها رافعة أساسية لتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، حيث تم الدفع نحو بلورة اتفاقية شراكة تجمع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ومجلس جهة سوس ماسة ومجلس إقليم اشتوكة آيت باها، إلى جانب المديرية الجهوية للصحة والمندوبية الإقليمية وجمعية أصدقاء المستشفى الإقليمي، فضلاً عن ولاية جهة سوس ماسة وعمالة الإقليم.
وتهدف هذه الاتفاقية إلى دعم الولوج إلى الخدمات الصحية وتقريبها من المواطنين، عبر تعزيز الموارد البشرية الصحية وضمان استمرارية الخدمات العلاجية، خصوصاً بالمناطق التي تعرف ضغطاً متزايداً على البنيات الصحية.
تمويل سنوي يصل إلى 6 ملايين درهم
حسب المعطيات المرتبطة بالمشروع، تبلغ الكلفة الإجمالية حوالي ستة ملايين درهم سنوياً، تتوزع بين مساهمة وزارة الصحة والحماية الاجتماعية بثلاثة ملايين درهم، ومجلس جهة سوس ماسة بمليوني درهم، فيما يخصص مجلس الإقليم مليون درهم.
ويرتكز المشروع على التعاقد مع أطر طبية وشبه طبية تشمل أربعة أطباء مختصين وعشرين طبيباً عاماً وثمانية ممرضين وتقنيي صحة، إضافة إلى عشرة مسعفين، بهدف تقليص الخصاص الحاد المسجل على مستوى الموارد البشرية الصحية.
رؤية لتحسين مؤشرات الولوج إلى العلاج
تمتد الاتفاقية لثلاث سنوات قابلة للتجديد تلقائياً، مع إحداث لجنة تتبع للسهر على تنزيل مضامينها وضمان مراقبة إدارية ومالية دقيقة. وتراهن هذه المبادرة على تحسين مؤشرات الولوج إلى الخدمات الصحية الأساسية، وتقليص الضغط على المستشفى الإقليمي المختار السوسي ببيوكرى، وتعزيز الحملات الطبية المتنقلة بمختلف الجماعات الترابية.
استثمارات سابقة لم تُنهِ معضلة الموارد البشرية
رئيس المجلس الإقليمي لاشتوكة آيت باها أكد أن هذه المبادرة تأتي استجابة لوضع صحي صعب، في ظل تعداد سكاني يناهز نصف مليون نسمة ومعدل تأطير طبي ضعيف مقارنة بالمعدلات الجهوية والوطنية. وأشار إلى أن جماعات كبرى مثل أيت عميرة، التي يفوق عدد سكانها 113 ألف نسمة، تعاني غياباً شبه كامل للأطباء، فيما يسجل المستشفى الإقليمي خصاصاً يناهز 21 طبيباً في تخصصات مختلفة.
ورغم الاستثمارات التي عرفها القطاع خلال العقدين الأخيرين، سواء عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، فإن الإكراه البنيوي المرتبط بنقص الموارد البشرية ظل التحدي الأكبر، ما دفع إلى البحث عن حلول عملية بتوجيه من السلطة الإقليمية.
خطوة نحو العدالة المجالية الصحية
ويرى متتبعون أن هذه الاتفاقية تمثل محاولة عملية لتعزيز جاذبية الإقليم لاستقطاب الكفاءات الصحية، خاصة مع توفير أجور وتعويضات مشجعة قد تتجاوز 30 ألف درهم شهرياً بالنسبة للأطباء المختصين، في خطوة تروم تحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية في توزيع الخدمات الصحية، بما ينسجم مع ورش تعميم الحماية الاجتماعية وتحسين جودة الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين.
وبين الرهانات الكبيرة والتحديات القائمة، يبقى نجاح هذه المبادرة رهيناً بسرعة تنزيلها على أرض الواقع وقدرتها على تحقيق تحول ملموس في تجربة المرضى اليومية داخل إقليم اشتوكة آيت باها.
اتفاقية صحية جديدة باشتوكة آيت باها تعزز العرض الطبي وتراهن على تدخلات عامل الإقليم وشراكة متعددة الأطراف












