تُعدّ الديمقراطية الداخلية أحد الأعمدة الأساسية التي تُقاس بها مصداقية الأحزاب السياسية، غير أن الواقع الحزبي في عدد من الأقاليم يكشف مفارقة صارخة بين الخطاب والممارسة. فبدل إشراك القواعد والمناضلين في اختيار المرشحين للاستحقاقات التشريعية، تُختزل عملية التزكية في قرارات فوقية، تتحكم فيها فئة ضيقة من الأعيان، وتُخضعها لمنطق المساومة والنفوذ المالي.
هذا النموذج يجد تجلياته اليوم فيما يعيشه حزب الاستقلال بإقليم اشتوكة آيت باها، حيث تتداول الأوساط السياسية المحلية معطيات تفيد بأن قرار التزكية لم يعد نابعاً من هياكل الحزب بالإقليم، بل أصبح خاضعاً لتأثيرات خارجية، أبرزها نفوذ فاعل سياسي واقتصادي معروف،و المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار.
وفق ما يُتداول محلياً، لم يعد الاستقلاليون بالإقليم أصحاب القرار في من يمثلهم انتخابياً، بل باتت التزكيات تُفصَّل وفق حسابات لا علاقة لها بتاريخ الحزب أو بخيارات مناضليه. الأخطر من ذلك أن هذه التدخلات يُقال إنها أطاحت بعدد من الأسماء التي كانت مرشحة بقوة، من بينها عضو غرفة التجارة بجماعة واد الصفاء، الذي غادر حزب الأصالة والمعاصرة بعد وعود بالترشيح باسم حزب الاستقلال، قبل أن تتغير المعادلة فجأة وتتبدد تلك الوعود.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ طالت “الخسائر السياسية” أسماء وازنة داخل الحزب، من بينها عضو اللجنة المركزية حسن خيار، وعلي البرهيشي رئيس جماعة آيت عميرة، ما يعزز الإحساس بوجود منطق إقصائي لا يستثني حتى الأطر التنظيمية.
هذا وتتحدث مصادر متطابقة عن صفقة سياسية جمعت عبد العزيز البهجة، المنسق الإقليمي لحزب الاستقلال بتارودانت، وعبد الصمد قيوح، عضو اللجنة التنفيذية والكاتب الجهوي للحزب بجهة سوس ماسة، وهي الصفقة التي يُقال إنها منحت الضوء الأخضر لإعادة رسم خريطة التزكيات بإقليم اشتوكة آيت باها.
الأكثر إثارة للاستغراب هو الصمت المطبق الذي التزمت به هياكل الحزب بالإقليم؛ فلا المفتش الإقليمي ولا الكاتب الإقليمي خرجا لتوضيح ما يجري للرأي العام أو للمناضلين، ما فتح الباب واسعاً أمام الشكوك والتأويلات.
في ظل هذه المعطيات، يُطرح سؤال جوهري: هل أصبح حزب الاستقلال في اشتوكة آيت باها يُدار فعلياً من داخل حزب آخر؟ وهل باتت التزكيات البرلمانية تُمنح بناءً على القرب من المال والنفوذ بدل الكفاءة والشرعية التنظيمية؟
تُنسَب إلى امبراطور اشتوكة ايت باها تصريحات في محيطه الضيق مفادها أنه هو من سيضع لائحة التزكيات، وأنه لن يتنازل عن خيار “أصحاب المال”، وهو ما إن صحّ، فإنه يشكل ضربة قوية لاستقلالية القرار الحزبي ولمبدأ التنافس الديمقراطي.
ما يجري اليوم ليس مجرد صراع حول الأسماء، بل أزمة ثقة عميقة بين القواعد الحزبية وقياداتها. فحين يشعر المناضل بأن تاريخه ونضاله يمكن أن يُلغيا بقرار فوقي أو صفقة عابرة، فإن ذلك يُفرغ العمل الحزبي من معناه، ويُعمّق العزوف السياسي.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتدارك القيادة الوطنية والجهوية لحزب الاستقلال الوضع، وتعيد الاعتبار لمؤسساته وقواعده، أم أن “حزب علال” في اشتوكة آيت باها سيواصل السير بوصاية من خارج بيته التنظيمي؟
مبارك الرايس













