الرعي الجائر بإقليم اشتوكة آيت باها: حين تتقاطع المصالح ويُحمَّل العبء للسلطة وحدها

لم يعد ملف الرعي الجائر بإقليم اشتوكة آيت باها مجرد إشكال موسمي عابر، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية تُهدد السلم الاجتماعي والتوازن البيئي. هذه الأزمة تكشف في جوهرها عن شبكة معقدة من المصالح المتداخلة، حيث تختلط مسؤولية السلطة بتواطؤ بعض المنتخبين، واستفادة فئة من الساكنة، مقابل تضرر فئات أخرى “لا صوت لها”.

فمناطق “أدرار” والجبال والقرى النائية بالإقليم تعيش منذ سنوات على وقع اجتياحات متكررة لقطعان الرعاة الرحل، التي لا تكتفي بالمراعي الطبيعية، بل تمتد لتكتسح الحقول المزروعة وأشجار الأركان واللوز والصبار، مخلفةً خسائر مادية جسيمة واحتقاناً اجتماعياً متزايداً، في ظل شعور عام بانعدام الإنصاف وغياب الحماية.

و من الحقائق التي لا يمكن القفز عليها، أن بعض المنتخبين ورؤساء الجماعات السابقين كانوا –ولا يزال بعضهم– جزءاً من المشكلة لا الحل. فقد استحال التمثيل الانتخابي لدى فئة منهم إلى وسيلة لعقد تفاهمات “تحت الطاولة” مع “باطرونات” الرعاة الرحل، مقابل امتيازات مادية أو مكاسب انتخابية؛ مما وفّر غطاءً غير مباشر لاستمرار الرعي الجائر وتطبيع وجوده خارج أي إطار قانوني. هذا التواطؤ هو ما أفرغ الشكايات المتكررة للمواطنين من مضمونها، وكرّس الانطباع بأن القانون لا يُطبّق على الجميع، وأن ميزان القوة يميل دائماً لصالح من يملك المال والنفوذ.

المفارقة الصادمة في هذا الملف هي أن جزءاً من الساكنة نفسها يساهم في تعقيد الأزمة. فهناك من يعمد إلى كراء أراضيه للرعاة الرحل مقابل مبالغ مالية، مستفيداً من غياب المراقبة ومن الفوضى السائدة، في حين يخرج آخرون للاحتجاج والتشكي من الظاهرة ذاتها التي يساهم فيها جيرانهم بشكل غير مباشر. هذا التناقض يطرح سؤالاً حقيقياً حول المسؤولية الجماعية: كيف يمكن محاربة الرعي الجائر بينما تُفتح له بعض الأراضي الخاصة طوعاً، ليتمدد بعدها خارجها ويعتدي على أملاك الغير؟

السلطة في قفص الاتهام.. هل هي المسؤولة الوحيدة؟
رغم هذا التشابك المعقد، يبقى من المثير للاستغراب أن الجميع –متضررين ومستفيدين– يتفقون على أمر واحد: تحميل المسؤولية كاملة للسلطة. فبينما يغيب الحديث عن دور المنتخب المتواطئ، أو الساكنة التي تكرّي أراضيها، أو المستفيدين الصامتين من الفوضى، تُختزل الأزمة في “تقصير” الإدارة وحدها. صحيح أن السلطة تتحمل القسط الأوفر من المسؤولية، خاصة في تنفيذ القانون وتنظيم المجالات المسموح بها، لكن معالجة الملف تقتضي شجاعة جماعية تعترف بأن المشكلة ليست إدارية فحسب، بل هي أيضاً معضلة أخلاقية، اجتماعية، وسياسية.

نحو مقاربة شاملة.. لا انتقائية
إن إنهاء معاناة اشتوكة آيت باها مع الرعي الجائر يمر حتماً عبر مسارات متوازية:

فتح تحقيق جدي في تواطؤ بعض المنتخبين السابقين وكل من وفّر غطاءً غير قانوني لهذه الظاهرة.

تقنين كراء الأراضي الفلاحية ومساءلة من يشرع أبوابها بشكل عشوائي أمام القطعان.

تفعيل القانون على الرعاة بصرامة ودون انتقائية أو محاباة.

إشراك الساكنة المتضررة في صياغة حلول واقعية تحفظ حقها في العيش الكريم.

فالرعي الجائر لن يتوقف طالما استمر منطق “الكل يستفيد.. والسلطة تُلام”.

 

مقالات ذات صلة:

أزمة الرعاة الرحل.. صراع خارجي أم لعبة داخلية باشتوكة آيت باها؟

ايمسوان تحت رحمة الرعاة الرحل: صرخة استغاثة لحماية محمية الأركان والسلم الاجتماعي

تدخلات ميدانية للسلطات المحلية بإقليم اشتوكة آيت باها لتدبير ملف الرعاة الرحل بالمنطقة الجبلية

اشتوكة:اعتقال عنصر من الرعاة الرحل بعد اعتداءه على فلاح بسيدي بوسحاب

ساكنة سيدي بوسحاب تناشد عامل اشتوكة آيت باها التدخل لتنظيم الرعي وحماية السلم الاجتماعي

صرخة من اشتوكة آيت باها: “البيروقراطية” و”البنية التحتية المتردية” تعيقان التنمية

 

غيرة ابن الأرض.. يونس دافقير يوجه نداءً من “ميد راديو” لعامل إقليم اشتوكة أيت باها “فيديو”

النائب أحمد بومكوك يسائل وزير حول اعتداءات الرحل على الساكنة(جواب الوزير)

 

فيدرالية جمعيات المجتمع المدني بأيت احمد تخرج ببيان للرأي العام حول أهم العراقيل التنموية بالمنطقة

 

الرعي الجائر .. “قنبلة موقوتة” تهدد الاستقرار الاجتماعي في جهة سوس

تارودانت:حملات تعقيم للمراكز الصحية بقيادة احمر وتزويد ساكنة العالم القروي و الرحل بالماء الشروب

بسبب الرعي.. صراع بين رعاة الجنوب الشرقي ورعاة الأقاليم الجنوبية يتحول لحرب طاحنة بتزنيت

 

الأخبار ذات الصلة

1 من 63

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *