شكل ملف الصحراء المغربية، على امتداد عقود، أحد أعقد القضايا التي واجهت الدبلوماسية المغربية، غير أن التحول النوعي الذي عرفه هذا الملف خلال السنوات الأخيرة، وبشكل أوضح في أفق 2025، يعكس انتقال المملكة من منطق الدفاع عن الموقف إلى مرحلة ترسيخ المكتسبات وتوسيع دائرة الاعتراف الدولي، هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية متكاملة قادها جلالة الملك محمد السادس، جعلت من القضية الوطنية الأولى ركيزة ثابتة في السياسة الخارجية للمغرب.
منذ اعتلائه العرش، اعتمد جلالة الملك محمد السادس مقاربة هادئة، بعيدة عن الانفعال، تقوم على الوضوح والثبات وربط الشرعية التاريخية بالشرعية القانونية والتنموية، وقد شكل مقترح الحكم الذاتي، الذي قدمه المغرب، نقطة تحول مركزية في التعاطي الدولي مع النزاع، إذ أرسى حلا واقعيا وعمليا حظي بوصف “الجدي وذي المصداقية” من قبل قوى دولية وازنة، ومع مرور الوقت، لم يعد المغرب في موقع الرد على الأطروحات المعادية، بل أصبح هو من يحدد الإطار العام للنقاش ويقود مساره داخل المنتظم الدولي.
وفي هذا السياق، لعبت الدبلوماسية الملكية دورا محوريا في تحقيق اختراقات حاسمة، من خلال تنويع الشراكات الاستراتيجية، خاصة مع قوى دولية كبرى، وتعزيز الحضور المغربي في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وقد توج هذا المسار بتوالي مواقف داعمة لمغربية الصحراء، سواء عبر الاعتراف الصريح بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، أو من خلال فتح قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، ما عزز الطابع العملي والملموس لهذا الدعم، وحوّله من مواقف سياسية إلى التزامات دبلوماسية واضحة.
وخلال سنة 2025، بدا جليا أن المغرب لم يعد يكتفي بتدبير النزاع، بل انتقل إلى مرحلة تثبيت الوقائع على الأرض، سياسيا وتنمويا ودبلوماسيا، في انسجام تام مع الرؤية الملكية التي تربط السيادة بالتنمية، فقد أضحت الأقاليم الجنوبية نموذجا تنمويا متقدما، ورسالة قوية للمجتمع الدولي مفادها أن مغربية الصحراء ليست مجرد موقف سياسي، بل خيار استراتيجي مدعوم بالاستقرار والاستثمار والانفتاح.
وبهذا، نجح جلالة الملك محمد السادس في حسم المعركة الدبلوماسية بحكمة وتبصر، واضعا المغرب في موقع الفاعل الواثق، لا المدافع القلق، ومؤسسا لمرحلة جديدة عنوانها ترسيخ المكتسبات وتعزيز الاعتراف الدولي.















