تعززت الخزانة القانونية والعلمية المغربية بإصدار جديد يحمل عنوان «معالم التدبير الإداري الحديث في عمل النيابة العامة: التدبير الاستراتيجي ولوحات القيادة»، لمؤلفه الأستاذ عبد الرزاق فتاح، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بأكادير، في خطوة علمية تروم إغناء النقاش حول تحديث الإدارة القضائية وتطوير أساليب تدبير مؤسسة النيابة العامة، بما يواكب التحولات المؤسساتية والتكنولوجية التي يشهدها قطاع العدالة بالمملكة.
ويأتي هذا المؤلَّف ليطرح موضوعاً بالغ الأهمية في مسار إصلاح منظومة العدالة، بالنظر إلى الخصوصية القانونية والمسطرية التي تميز عمل النيابة العامة، وما يفرضه ذلك من ضرورة التوفيق بين التقيد الصارم بالقواعد القانونية، وتحقيق النجاعة في تدبير الملفات والقضايا، وضمان السرعة والفعالية في معالجة الإجراءات المرتبطة بحماية الحقوق والحريات وصون النظام العام.

يقدم الكتاب مقاربة علمية وعملية للتحديات التي تواجه التدبير الإداري داخل مؤسسة النيابة العامة، في ظل التحولات التي تعرفها الإدارة القضائية، والحاجة المتزايدة إلى اعتماد آليات حديثة قائمة على التخطيط الممنهج، والتقييم المستمر، وربط الأداء بالأهداف المحددة. وتكمن أهمية هذا الإصدار في سعيه إلى تجاوز التصورات التقليدية للتدبير الإداري، من خلال إبراز أهمية الانتقال إلى نموذج حديث يستند إلى تحديد الأولويات، وترشيد استعمال الموارد المتاحة، وتحسين أساليب التنسيق، وتطوير آليات مراقبة الأداء وتقييم النتائج.
وفي هذا السياق، يزاوج الأستاذ عبد الرزاق فتاح بين التأصيل النظري للمفاهيم المرتبطة بالتدبير الإداري الحديث والتطبيقات العملية ذات الصلة بعمل النيابة العامة، بما يجعل المؤلَّف مساهمة علمية في البحث عن الوسائل الكفيلة بتحسين الأداء الإداري والمؤسساتي، مع مراعاة طبيعة الاختصاصات القانونية للنيابة العامة والضوابط التي تؤطر تدخلاتها.
يحتل التخطيط الاستراتيجي مكانة محورية ضمن محاور الكتاب، باعتباره إحدى الأدوات الأساسية التي تساعد المؤسسات على تحديد أهدافها وترتيب أولوياتها، وتوجيه مواردها البشرية والمادية وفق رؤية واضحة ومحددة. ويبرز المؤلَّف أهمية اعتماد هذا النوع من التخطيط في تدبير عمل النيابة العامة، من خلال الانتقال من معالجة الإكراهات اليومية بمنطق تدبيري تقليدي إلى اعتماد رؤية استباقية تتيح تحديد الأهداف، وتتبع مستوى تحقيقها، وتقييم النتائج المحققة على ضوء مؤشرات موضوعية.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة إلى مؤسسة تضطلع باختصاصات أساسية في منظومة العدالة، إذ يتطلب تحسين أدائها تطوير آليات التنظيم والتنسيق والتتبع، بما يضمن الاستخدام الأمثل للإمكانات المتاحة، ويساعد على الاستجابة لمتطلبات العمل القضائي والإداري. كما يفتح اعتماد التخطيط الاستراتيجي المجال أمام ترسيخ ثقافة مؤسساتية تقوم على وضوح الأهداف، وتحديد المسؤوليات، والتقييم المستمر، بما يعزز القدرة على رصد الاختلالات وتدارك الصعوبات في الوقت المناسب.
إلى جانب التخطيط الاستراتيجي، يولي الكتاب أهمية خاصة لما يعرف بـ«لوحات القيادة»، باعتبارها من الأدوات الحديثة التي تساعد على تحويل المعطيات الإدارية والقضائية إلى مؤشرات قابلة للقياس والتحليل، بما يدعم عملية اتخاذ القرار ويتيح تتبع تطور الأداء بصورة منتظمة. وتسمح هذه الآليات، وفق المقاربة التي يعرضها المؤلِّف، بتوفير رؤية أوضح حول سير العمل داخل النيابة العامة، من خلال تتبع وضعية المساطر والقضايا، ومراقبة آجال الإجراءات القضائية، ورصد وضعية الاعتقال الاحتياطي، وتتبع الأشخاص المقدمين أمام النيابة العامة، فضلاً عن مراقبة تنفيذ الأحكام وتقييم مستويات الإنجاز.
وتكمن القيمة العملية لهذه الأدوات في تمكين المسؤولين من الاستناد إلى معطيات دقيقة وواقعية عند اتخاذ القرارات التدبيرية، عوض الاكتفاء بالتقديرات العامة أو المعالجة الظرفية للإشكالات المطروحة. كما تتيح لوحات القيادة إمكانية الكشف المبكر عن مكامن التأخر أو التعثر، وتحديد المجالات التي تستدعي تدخلاً تصحيحياً، بما يساعد على تحسين تدبير الزمن القضائي وتعزيز فعالية العمل الإداري، دون المساس بالضمانات القانونية والمسطرية المؤطرة للإجراءات. ويبرز هذا المحور أهمية توظيف المعطيات والمؤشرات في تطوير أساليب التدبير القضائي، باعتبارها وسيلة لدعم القرار وتحسين التنسيق وتجويد الأداء، وليس مجرد آلية تقنية لجمع البيانات وتصنيفها.
يضع الإصدار الجديد مسألة تحديث آليات اشتغال النيابة العامة في سياق التحولات الرقمية التي يشهدها قطاع العدالة، وما تفرضه من مراجعة أساليب التدبير وتطوير أدوات العمل والتتبع والتقييم. فنجاعة الإدارة القضائية لم تعد ترتبط فقط بتوفر الموارد البشرية والإمكانات المادية، بل أصبحت تتطلب أيضاً القدرة على توظيف التكنولوجيا والمعلومات في تحسين التنظيم الداخلي، وتيسير الولوج إلى المعطيات، وتسريع معالجة الملفات، وتطوير آليات المراقبة والتنسيق.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الجمع بين الكفاءة القانونية والخبرة الإدارية والقدرة على استثمار الوسائل الرقمية، بما يسمح ببناء نموذج تدبيري أكثر استجابة لمتطلبات العمل القضائي، وأكثر قدرة على قياس النتائج وتقييم الأداء. ويؤكد هذا التوجه أن تحديث مؤسسة النيابة العامة لا يقتصر على إدخال الوسائل التقنية الحديثة، وإنما يستدعي أيضاً ترسيخ ثقافة إدارية جديدة تقوم على التخطيط والمساءلة المهنية والتقييم المستمر، مع احترام استقلالية الوظائف القضائية والضمانات القانونية المقررة.
ومن أبرز ما يميز هذا المؤلَّف حظوته بتقديم الدكتور هشام البلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، وهو ما يعكس أهمية الموضوع الذي يتناوله الكتاب وراهنيته في سياق النقاش الدائر حول تحديث الإدارة القضائية والارتقاء بأداء مؤسسة النيابة العامة. وتمنح هذه المساهمة العلمية للكتاب بعداً إضافياً، بالنظر إلى مكانة موضوع التدبير الإداري في تطوير أداء المؤسسات القضائية، والحاجة إلى بلورة مقاربات عملية تساعد المسؤولين على مواجهة الإكراهات المرتبطة بتدبير القضايا والموارد والآجال. كما يندرج هذا الإصدار ضمن الاهتمام المتزايد بتطوير الدراسات القانونية التي لا تكتفي بتناول النصوص والمقتضيات التشريعية من زاوية نظرية، بل تسعى إلى ربطها بالإشكالات العملية التي تطرحها الممارسة اليومية داخل المؤسسات القضائية.
ويخلص مضمون الكتاب إلى أن تحديث العدالة وتحقيق النجاعة القضائية يقتضيان تطوير أساليب التدبير الإداري، والاعتماد على التخطيط الاستراتيجي ومؤشرات الأداء، إلى جانب تأهيل الموارد البشرية وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين في منظومة العدالة. وتبرز أهمية هذه المقاربة في كونها تربط إصلاح الإدارة القضائية بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة، من خلال تحسين تدبير الملفات، ومراقبة الآجال، وتطوير آليات اتخاذ القرار، وتقييم مستوى الإنجاز بصورة مستمرة.
وبصدور هذا العمل، يقدم الأستاذ عبد الرزاق فتاح مساهمة علمية في النقاش المتعلق بمستقبل التدبير الإداري داخل النيابة العامة، واضعاً التخطيط الاستراتيجي ولوحات القيادة في صلب التفكير في تحديث المؤسسة وتجويد أدائها. ويؤكد هذا الإصدار أن الرهان على عدالة أكثر نجاعة لا ينفصل عن تطوير الإدارة التي تسند عملها، ولا عن الاستثمار في الكفاءات البشرية والتكنولوجية، بما يعزز فعالية المؤسسات القضائية وقدرتها على الاضطلاع بمهامها في حماية الحقوق والحريات وتكريس سيادة القانون.
A.Boutbaoucht











