بينما كان العالم يحتفي باليوم العالمي لحرية الصحافة، اختار محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، أن يغرد خارج سرب الشعارات الرنانة المعتادة، ليصوب مجهره نحو زاوية معتمة في المشهد الإعلامي المغربي. لم يكن منشور أوزين الأخير مجرد تحية بروتوكولية، بل كان “مبضع جراح” نبش في أزمة بنيوية تتجاوز سقف حرية التعبير لتصل إلى لقمة العيش وكرامة الممارسين، مستخدماً أسلوباً أدبياً ساخراً مطعماً باقتباسات شعرية لإبراز التناقض الصارخ بين نبل الرسالة وبؤس الظروف.
إن هذه التدوينة لم تكن عابرة، بل لامست مكامن الخلل في صلب المشهد الإعلامي، حيث تطل ظاهرة “العمل بدون أجر” والهشاشة المهنية كأزمة حقيقية تلتهم استقرار مئات الصحافيين. لقد أعاد أوزين تسليط الضوء على تأخر الأجور، وضعف الاستقرار المهني داخل غرف الأخبار التي تفتقر لأدنى مقومات الحماية الاجتماعية، موجهاً في الوقت ذاته انتقادات ضمنية لطريقة تدبير الدعم العمومي الموجه للمقاولات الصحافية، وما يعتريه من اختلالات تجعل “جنود الخفاء” يعانون في صمت بينما ينشغل البعض بصراعات جانبية حول إصلاح المجلس الوطني للصحافة والمناصب.
والواقع أن الإشكالية الكبرى التي طرحها هذا التفاعل هي الترابط العضوي بين الاستقلال الاقتصادي وحرية التعبير؛ فكيف لصحافي يعيش تحت رحمة الابتزاز المادي أو يواجه شبح الطرد أن يمارس دوره الرقابي بكل تجرد؟ إن حرية الصحافة في المغرب، حسب منطق التدوينة، لا تهددها فقط النصوص القانونية، بل يهددها أيضاً الارتهان لأجندات من يملك سلطة المال في ظل تراجع سوق الإشهار وتحديات التحول الرقمي.
لقد نجحت تدوينة أوزين في تحويل النقاش من “الحرية كنظرية” إلى “الحرية كقيمة معاشة”، مؤكدة أن مستقبل الصحافة المهنية بالمغرب لا يتوقف فقط على تعديل القوانين، بل على خلق نموذج اقتصادي يضمن العيش الكريم للمنتسبين إليها. فبدون صحافي مستقر مادي واجتماعي، سنظل أمام صحافة واجهة تفتقد للمصداقية وتغرق في ضجيج بلا أثر، مما يجعل إصلاح القطاع ضرورة ملحة تبدأ أولاً برد الاعتبار للعنصر البشري وصون كرامته.













