في الوقت الذي تعبر فيه كرة القدم الوطنية مخاضاً عسيراً يفرز نماذج من التسيير القائم على “البروباغندا” والوعود الزائفة، يبرز نادي حسنية أكادير كحالة تستحق التأمل والقراءة العميقة. فالفريق اليوم ليس في مجرد مرحلة انتقالية، بل في خضم معركة حقيقية لحماية مكتسبات تاريخية حققها المكتب المسير الحالي، الذي اختار الطريق الأصعب: طريق الإصلاح الهيكلي والرزانة المالية في مواجهة ضجيج العاطفة وحسابات السياسة.
لقد نجح المكتب المسير الحالي في كسب الرهان الأكثر تعقيداً في تاريخ النادي الحديث، وهو تطهير المالية من إرث المديونية الثقيل الذي تركه التدبير العشوائي للمكاتب السابقة. هذا الإنجاز الذي تحقق في صمت وبعيداً عن الأضواء، هو الضمانة الحقيقية لاستمرار النادي، إذ لا يمكن بناء صرح رياضي شامخ على قواعد مالية هشة. ومع ذلك، نجد من يحاول اختزال هذا العمل الجبار في نتائج ظرفية، محاولاً دفع المحيط الجماهيري نحو المجهول تحت شعارات براقة تخفي خلفها رغبة جامحة في العودة بـ”غزالة سوس” إلى عهود الفوضى والمحسوبية.
إن الواقع يؤكد أن استهداف هذا المكتب، الذي أعاد الهيبة للإدارة وحصّن مالية الفريق من الاستنزاف، ليس إلا محاولة من “طغمة سياسية” لفظها الواقع وتحاول العودة من نافذة الجماهير. هؤلاء يراهنون على ذاكرة قصيرة، محاولين إحياء نموذج تسييري كان يعتمد على “الإكراميات” والشقق المكتراة والصفقات المشبوهة لتوجيه الرأي العام. لذا، فإن وعي جمهور الحسنية اليوم هو الحصن الأخير لمنع تحويل النادي إلى ملحقة لجهات تبحث عن تصفية حساباتها الضيقة، مستغلة منصات التواصل الاجتماعي لدغدغة مشاعر المشجعين وتضليلهم.
وإذا ما نظرنا إلى دروس الجوار، فإن ما يعيشه فريق الوداد الرياضي اليوم من ارتباك، رغم الوعود الضخمة والانتدابات المليونية، يثبت أن الخطاب العاطفي والوجوه التي تحمل سوابق في “التسيير الفاشل” لا تبني مجداً، بل تعمق الأزمات. وفي المقابل، فإن أزمة الحسنية اليوم هي أزمة تقنية محضة مرتبطة بظاهرة وطنية عامة تتمثل في نزيف هجرة المواهب، وليست أزمة تدبير أو مال، مما يجعل التمسك بالمكتب الحالي وبالاستقرار التقني ضرورة ملحة لاستكمال مشروع البناء.
إن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في تغليب المصلحة العليا للنادي ودعم المكتب المسير في رؤيته الرامية إلى الاستمرارية والاحترافية. فالتاريخ لا يرحم، والسيناريوهات القاتمة التي عاشتها أندية مرجعية فقدت بوصلتها في صراعات التسيير يجب أن تكون إنذاراً مبكراً. حسنية أكادير اليوم أمانة في أعناق الغيورين الحقيقيين، وهي أكبر من أن تكون ورقة في صندوق انتخابي، أو ساحة لتجارب أثبتت فشلها في الماضي القريب.
أشرف الميموني










