نزيف الميزانيات: صفقات مشبوهة وأخطاء تدبيرية تُغرق الجماعات الترابية في وحل الأحكام القضائية.

لم يعد استنزاف مالية الجماعات الترابية مجرد اختلال عارض، بل تحول إلى نزيف حاد يكشف عن أعطاب بنيوية في منظومة التدبير المحلي؛ حيث تتراكم الأحكام القضائية بمبالغ مالية ضخمة جراء سوء إدارة الملفات الجبائية، وعلى رأسها الرسوم المتعلقة بالأراضي الحضرية غير المبنية، ورخص البناء، والتجزئات العقارية.

وتشير تقارير الإدارة المركزية إلى صورة قاتمة، كاشفةً عن تلاعب في لوائح الملزمين بالضريبة، ومنح إعفاءات خارج الضوابط القانونية، فضلاً عن شبهات تواطؤ داخلي مع خصوم الجماعات في النزاعات القضائية، وهو ما أكده سؤال برلماني وُجه مؤخراً لوزير الداخلية بمجلس النواب.

بيد أن الأخطر من ذلك، هو توجه أصابع الاتهام مباشرة نحو بعض رؤساء الجماعات، باعتبارهم المسؤولين الأوائل –سياسياً وإدارياً– عن هذا الانفلات. ففي حالات عديدة، لم تقتصر الاختلالات على سوء التقدير، بل امتدت إلى ممارسات غير قانونية، مثل إجبار الملزمين على توقيع “التزامات بعدم التقاضي”؛ في محاولة للالتفاف على القانون وتفادي النزاعات. غير أن هذه الأساليب سرعان ما ارتدت عكسياً على الجماعات بعد رفضها من قبل مؤسسات الرقابة المالية، لتتحول إلى إدانة إضافية تكرس ضعف الحكامة وغياب الرؤية القانونية السليمة.

وتكمن المفارقة الصادمة في أن الجماعات لا تكتفي بخسارة القضايا فحسب، بل تُثقل كاهلها أيضاً بأتعاب محامين باهظة دون تحقيق نتائج ملموسة؛ مما يطرح علامات استفهام كبرى حول طرق تدبير هذه الملفات، ومدى وجود تضارب في المصالح أو غياب للمحاسبة في معايير اختيار وتتبع الدفاع القضائي.

الأخبار ذات الصلة

1 من 381

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *