مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تتحول الدراما التلفزية إلى أحد أبرز المواضيع التي تشغل الرأي العام المغربي؛ حيث تحظى المسلسلات الرمضانية بنسب مشاهدة مرتفعة تجعل تأثيرها يتجاوز حدود الترفيه ليلامس عمق النقاش المجتمعي. ومن بين الأعمال التي أثارت جدلاً واسعاً هذا الموسم، مسلسل “عش الطمع” الذي يعرض على القناة الأولى التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، والذي اختار الخوض في موضوع بالغ الحساسية يتعلق بالاتجار في الرضع واستغلال النساء في وضعية هشة.
يقدم المسلسل حبكة درامية تجمع نساءً من خلفيات اجتماعية متباينة، يجدن أنفسهن ضحايا شبكة معقدة من الاستغلال، حيث تتحول “البراءة” إلى سلعة في سوق خفية تديرها أطماع البشر. ورغم أن الهدف المعلن للعمل هو تسليط الضوء على ظاهرة خطيرة وفتح نقاش حول حماية الأطفال والنساء، إلا أن ردود الفعل التي أعقبت عرض الحلقات الأولى كشفت عن تأثيرات جانبية غير متوقعة.
ففي عدد من الأحياء الشعبية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بدأت تتردد أحاديث متزايدة عن “عصابات لسرقة الأطفال”، وعبرت أمهات عن مخاوف حقيقية، وصلت إلى حد الربط المباشر بين أحداث المسلسل المتخيلة والواقع اليومي، وكأن ما يعرض على الشاشة هو مرآة دقيقة ومباشرة لما يحدث في الزقاق المغربي.
هذه الحالة تطرح تساؤلات عميقة حول العلاقة بين الدراما التلفزية ووعي الجمهور: هل يمكن لعمل فني أن يتحول إلى مصدر قلق اجتماعي واسع؟
في الواقع، يؤكد الباحثون في علوم الإعلام أن التلفزيون يملك قدرة هائلة على صياغة تصورات الناس للواقع، خصوصاً عند تناول مواضيع تمس “الأمن الأسري”. وتفسر نظام “الغرس الثقافي” في علم الاتصال هذا التأثير؛ إذ تشير إلى أن التكرار المستمر لتمثلات معينة في التلفزيون قد يدفع المشاهد للاعتقاد بأن ما يراه يمثل الواقع الفعلي، حتى وإن كان مغرقاً في المبالغة الدرامية.
لكن اختزال هذا التأثير في عامل “الأمية” وحده قد يكون تبسيطاً مخلاً للموضوع. فصحيح أن تحديات التعليم لا تزال قائمة، وهو ما تؤكده معطيات المندوبية السامية للتخطيط خاصة في الأوساط القروية وبين النساء، غير أن “الهلع الجماعي” يرتبط أيضاً بآليات انتشار الإشاعة وسرعة تداول المعلومات غير الدقيقة عبر الوسائط الرقمية.
ومما يجب توضيحه، أن موضوع الاتجار بالبشر، رغم قساوته، يظل ظاهرة يطوقها المغرب بإطار قانوني صارم؛ حيث سنت المملكة في السنوات الأخيرة تشريعات حازمة لمكافحة هذه الجرائم، في إطار جهود تقودها مؤسسات الدولة وعلى رأسها وزارة العدل .
إن المشكلة لا تكمن في طرح هذه القضايا فنياً، بل في كيفية تلقي الجمهور لتلك الرسائل. فحين يغيب “الوعي الإعلامي”، تختلط الحدود بين الخيال الدرامي والواقع الاجتماعي. ومع أن الدراما لعبت أدواراً إيجابية في كسر المسكوت عنه (كالعنف الأسري واستغلال النساء)، إلا أن نجاحها في إثارة النقاش لا يعني بالضرورة أنها تقدم إحصائيات دقيقة، فالفن بطبعه يقوم على التكثيف والمبالغة لشد الانتباه.
هل أصبحت التلفزة تتحكم في العقول؟
الجواب الأقرب للدقة هو أن التلفزيون لا “يتحكم” بقدر ما “يوجه” الفهم العام للواقع، خاصة عند غياب مصادر المعلومات البديلة. لذا، يرى الخبراء أن الحل لا يكمن في تقييد حرية الإبداع، بل في تعزيز “التربية الإعلامية”؛ وهي الأدوات التي تمكن الجمهور من التمييز بين “الكادر الفني” و”الرصيف الواقعي”، وبين الخبر والسيناريو، وهو التوجه الذي تدعو إليه برامج اليونسكو لتمكين المجتمعات من مناعة فكرية ضد التضليل والهلع غير المبرر.
A.Boutbaoucht














