يعيش إقليم إقليم اشتوكة آيت باها في الآونة الأخيرة على وقع حراك سياسي غير معلن، تزداد حدته مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث بدأت ملامح حملات انتخابية مبكرة تطفو على السطح، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي. هذه الدينامية التي كان من المفترض أن تعكس تنافساً سياسياً صحياً بين الأحزاب، تحولت في نظر العديد من المتتبعين إلى مشهد سياسي مرتبك، يتسم بصمت أغلب الهيئات الحزبية مقابل نشاط مكثف لفاعلين محسوبين على حزب واحد.
ففي الوقت الذي تعج فيه الصفحات الفيسبوكية بصور اللقاءات والأنشطة والشعارات المرتبطة بفاعلين منتمين إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، يطرح الرأي العام المحلي تساؤلات ملحة حول موقف باقي الأحزاب السياسية بالإقليم من هذه الحملات التي يعتبرها البعض سابقة لأوانها. فالأحزاب، التي يفترض أن تؤطر المواطنين وتدافع عن التعددية السياسية، تبدو في نظر عدد من المتابعين غائبة أو على الأقل غير حاضرة بالشكل الذي يفرضه السياق السياسي.
ويطرح هذا الوضع علامات استفهام عديدة حول دور القيادات الإقليمية للأحزاب السياسية في الإقليم. فالملاحظ أن الكتاب الإقليميين لعدد من التنظيمات الحزبية اكتفوا، خلال الفترة الأخيرة، بحضور محتشم في المشهد العام، دون إصدار مواقف واضحة أو بيانات تعبر عن رؤيتهم لما يجري من حراك انتخابي مبكر. وهو ما يفتح الباب أمام انتقادات واسعة مفادها أن بعض هذه الأحزاب لم تعد قادرة حتى على الدفاع عن وجودها السياسي داخل الإقليم.
وفي هذا السياق، يبرز مثال حزب الاستقلال الذي أصدر بلاغاً ينفي فيه الأخبار المتداولة حول نية أحد أبرز الأسماء السياسية في الإقليم العودة إلى صفوف الحزب بعد أن كان قد غادره سابقاً ليلتحق بصفوف حزب التجمع الوطني للأحرار. وقد جاء هذا البلاغ، الذي انتشر على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، ليؤكد أن أي قرار من هذا النوع يخضع للمساطر التنظيمية للحزب ومؤسساته المختصة.
غير أن هذا البلاغ، رغم أهميته، لم ينه الجدل بشكل كامل، إذ ما تزال بعض الأوساط السياسية تتداول أخباراً متضاربة حول احتمال وقوع تحولات جديدة في الخريطة الحزبية بالإقليم، خصوصاً مع اقتراب موعد الاستحقاقات المقبلة. وهو ما يعكس، بحسب متتبعين، حجم التوتر والتجاذب الذي يطبع المشهد السياسي المحلي.
أما باقي الأحزاب، مثل حزب الاتحاد الدستوري وحزب العدالة والتنمية وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب اليسار الموحد، فتبدو في نظر العديد من المتابعين بعيدة عن دائرة التأثير الفعلي في النقاش السياسي الدائر داخل الإقليم، إذ لم تسجل لها مواقف بارزة بخصوص ما يجري من تحركات انتخابية مبكرة أو تحالفات محتملة.
الأكثر إثارة للاستغراب، بحسب بعض الملاحظين، هو أن بعض الأشخاص المحسوبين على حزب الأصالة والمعاصرة باتوا، بشكل أو بآخر، يروجون لأنشطة وحملات مرتبطة بخصومهم السياسيين عبر منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي يطبع المشهد الحزبي المحلي.
هذا الواقع يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً حول وضعية العمل السياسي داخل الإقليم. فضعف الأحزاب وتراجع دور النخب السياسية التقليدية، مقابل صعود فاعلين يعتمدون أساساً على النفوذ الاجتماعي والاقتصادي، أدى إلى تغيير ملامح التنافس السياسي، بحيث أصبح تأثير بعض الأعيان أكبر من تأثير التنظيمات الحزبية نفسها.
ويرى عدد من المتتبعين أن هذه الوضعية لا تطرح فقط إشكالاً سياسياً، بل تمس أيضاً بجوهر الممارسة الديمقراطية، التي تقوم أساساً على التعددية الحزبية والتنافس بين البرامج والرؤى المختلفة لخدمة المواطنين. فحين تتحول السياسة إلى مجال تتحكم فيه شبكات النفوذ أكثر مما تتحكم فيه المؤسسات الحزبية، فإن الخاسر الأكبر يكون هو التنمية المحلية ومصالح الساكنة.
كما أن غياب مواقف واضحة من طرف الأحزاب تجاه ما يجري قد يعمق حالة فقدان الثقة لدى المواطنين في العمل السياسي، خاصة في إقليم يتمتع بإمكانات اقتصادية وفلاحية وسياحية مهمة، ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى نخب سياسية قادرة على الترافع عن قضاياه التنموية.
وأمام هذا الوضع، يدعو عدد من الفاعلين والمتابعين للشأن المحلي ساكنة إقليم اشتوكة آيت باها إلى استحضار دروس الماضي والتفكير بوعي في مستقبل الإقليم، من خلال دعم كل المبادرات والطاقات التي تضع مصلحة المنطقة فوق كل اعتبار، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو الولاءات الشخصية.
فالرهان الحقيقي، في نهاية المطاف، لا يتعلق بصراع الأحزاب أو تنافس الأعيان، بل بمستقبل إقليم يتطلع سكانه إلى تنمية حقيقية وفرص أفضل. والأيام المقبلة، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، قد تكشف الكثير من الحقائق حول مواقف الفاعلين السياسيين، وتحدد بوضوح من يسعى فعلاً إلى خدمة الإقليم، ومن يرى فيه مجرد مجال لتحقيق المصالح الخاصة.













