هل تكمن أزمة الطاقة التي يعيشها المغرب في ندرة الموارد أم في طريقة إدارة المنظومة برمتها؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يكشف عمق الإشكال البنيوي الذي يطبع السياسة الطاقية في الدول المستوردة للطاقة.
فالمغرب، رغم تقدمه الملحوظ في مجال الطاقات المتجددة، لا يزال يعاني من تبعية مرتفعة للأسواق الخارجية في ما يتعلق بالمحروقات والغاز، الأمر الذي يجعل ميزانيته عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، ويضع قدرته الشرائية تحت ضغط دائم. وقد أظهرت الأزمات الدولية، خصوصًا بعد الحرب في أوكرانيا، كيف يمكن لاضطراب جيوسياسي خارج الحدود أن يتحول بسرعة إلى عبء داخلي ينعكس في أسعار المحروقات، وتكلفة النقل، وأسعار المواد الأساسية. إن هذا الواقع لا يعبّر فقط عن هشاشة مرتبطة بالاستيراد، بل يكشف عن قصور في هندسة المنظومة الطاقية ذاتها، حيث يتم التعامل مع الطاقة بمنطق قطاعي تقني يركز على الإنتاج أو على تحرير السوق، دون ربط كافٍ بين عناصر الإنتاج، والتخزين، والنقل، والتوزيع، والتسعير، والحماية الاجتماعية. صحيح أن المغرب حقق إنجازات مهمة من خلال مشاريع استراتيجية كبرى مثل مجمع نور ورزازات، الذي أصبح رمزًا للتحول نحو الطاقات النظيفة، لكن السؤال الجوهري يظل قائمًا: هل يكفي تطوير مشاريع إنتاجية كبرى إذا لم تُدمج ضمن رؤية نسقية شاملة تعيد تنظيم العلاقة بين العرض والطلب، وبين الكلفة والعدالة، وبين السيادة والانفتاح؟
إن الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة تصور وإدارة، وليست أزمة طاقة فحسب، بل أزمة منهج في التفكير الطاقي.
من هذا المنطلق، يبرز الذكاء الطاقي النسقي باعتباره إطارًا منهجيًا يعيد تعريف كيفية مقاربة القضية الطاقية، لا بوصفها ملفًا تقنيًا معزولًا، بل باعتبارها منظومة مترابطة تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والقانونية والاجتماعية والبيئية والجيوسياسية. فالذكاء الطاقي النسقي لا يختزل في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل الشبكات الكهربائية، ولا في مجرد الانتقال إلى الطاقات المتجددة، بل يتمثل في بناء عقل استراتيجي قادر على تحليل التفاعلات المعقدة داخل النظام الطاقي واستشراف المخاطر قبل وقوعها. إنه انتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق، ومن إدارة الأزمة إلى إدارة الاحتمال، ومن التركيز على زيادة العرض إلى تحقيق توازن ذكي بين العرض والطلب. وبهذا المعنى، يعيد هذا المفهوم تعريف السيادة الطاقية، فلا يجعلها مرادفًا للاكتفاء الذاتي المطلق – وهو هدف قد يكون غير واقعي في سياق اقتصادي منفتح – بل يعتبرها قدرة الدولة على تقليل هشاشتها البنيوية أمام الصدمات الخارجية، وعلى تنويع مصادرها وشركائها، وعلى تحسين كفاءة استهلاكها، وعلى حماية فئاتها الاجتماعية من تقلبات السوق. كما يدعو الذكاء الطاقي النسقي إلى إدماج البعد الاستشرافي في التخطيط الطاقي، من خلال اعتماد نماذج متعددة السيناريوهات تأخذ بعين الاعتبار التحولات المناخية، والتوترات الجيوسياسية، وتغيرات الطلب، وربطها مباشرة بأدوات الميزانية والسياسات العمومية. وهو بذلك يقترح مقاربة تتجاوز التجزئة المؤسسية، عبر تنسيق الفاعلين العموميين والخواص، وتعزيز الشفافية في آليات التسعير، وتبسيط الأطر القانونية التي تحكم الإنتاج اللامركزي والاستهلاك الذاتي، بما يخلق منظومة مرنة قادرة على التكيف بدل الانكسار.
أما ترجمة هذا الإطار النظري إلى توجيه سياسي عملي بالمغرب والعالم، فتقتضي تحويله إلى مرجعية في صياغة السياسات لا إلى مجرد خطاب أكاديمي. فذلك يبدأ بإنشاء منصات بيانات وطنية موحدة للطاقة تسمح بتجميع المعطيات المتعلقة بالإنتاج والنقل والتوزيع والاستهلاك في قاعدة معرفية واحدة تدعم اتخاذ القرار، ويمر بإدماج أدوات الاستشراف في قوانين المالية حتى لا تبقى الميزانية رهينة لتقلبات مفاجئة، ويصل إلى إصلاح آليات التسعير بحيث تعكس الكلفة الحقيقية ضمن رؤية استراتيجية تحمي الاستقرار الاجتماعي. كما يتطلب الأمر تعزيز برامج النجاعة الطاقية، وتشجيع الإنتاج اللامركزي، ودمج مصادر متنوعة ضمن سياسات الاستهلاك الذاتي، وربط التحول الطاقي بالتنمية المجالية لتقليص الفوارق بين المركز والهامش. وعلى المستوى العالمي، يمكن للذكاء الطاقي النسقي أن يشكل نموذجًا مرنًا للدول الإفريقية التي تواجه هشاشة مضاعفة، إذ يسمح ببناء منظومات طاقية قائمة على الموارد المحلية، ومتكاملة مع أهداف التنمية، وقادرة على امتصاص الصدمات الخارجية. إن الطابع الاستنكاري للسؤال لا يرمي إلى التشكيك في جدوى المفهوم، بل إلى مساءلة الإرادة في تحويله إلى ممارسة مؤسساتية. فحين يصبح الذكاء الطاقي النسقي إطارًا معتمدًا في تقييم المشاريع، ومرجعًا في تكوين صناع القرار، وأداة في توجيه الاستثمارات، يمكن القول إنه انتقل من فضاء التنظير إلى مجال الفعل. وفي عالم يتسم بتقلب مستمر ولا يقين جيوسياسي، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كنا نملك الموارد الكافية، بل ما إذا كنا نملك الذكاء الكافي لإدارة منظومتنا الطاقية بمنطق نسقي عادل ومرن ومستدام.
الدكتورة جميلة مرابط
خبيرة في شؤون الاستراتيجيات والسياسات الطاقة والاستدامة البيئية.














