في خطوة وُصفت بالاستراتيجية، راهنت الحكومة المغربية على إصلاح شامل للمراكز الجهوية للاستثمار، باعتبارها الواجهة الأولى للدولة في علاقتها بالمستثمر، والأداة المفصلية لجعل الاستثمار قاطرة حقيقية للتنمية الاقتصادية. وقد تُوِّج هذا الإصلاح بنقل وصاية هذه المراكز من وزارة الداخلية إلى الوصاية المباشرة لرئيس الحكومة، مع تفويض جزء من الاختصاصات لوزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، في أفق تعزيز التنسيق المؤسساتي وتحسين نجاعة “مسار المستثمر”.
غير أن هذا الانتقال، الذي كان يُفترض أن يشكّل قطيعة مع الممارسات الإدارية التقليدية، كشف في الميدان عن اختلالات عميقة، أعادت إلى الواجهة سؤال الفجوة بين منطق الإصلاح على مستوى النصوص، وواقع التنزيل العملي.
تاريخياً، اشتغلت المراكز الجهوية للاستثمار تحت سلطة الولاة، ضمن منطق ترابي ذي طابع إداري صارم، يضمن الانضباط لكنه يفتقر في كثير من الأحيان للمرونة الاقتصادية. ومع انتقال الوصاية إلى وزارة الاستثمار، كان الأمل معقوداً على إرساء دينامية جديدة قائمة على المواكبة، والتبسيط، وتسريع اتخاذ القرار.
غير أن فاعلين اقتصاديين يؤكدون أن المرحلة الانتقالية أفرزت نوعاً من “البلوكاج” غير المبرر، حيث باتت ملفات استثمارية كثيرة تواجه الرفض دون تعليل كافٍ، أو تظل عالقة في وضعية ضبابية، لا هي مقبولة ولا مرفوضة، ما يخلق حالة من عدم اليقين تقوض ثقة المستثمر في المنظومة برمتها.
خطاب جلالة الملك محمد السادس في أكتوبر 2022 شكّل لحظة مفصلية في مسار الإصلاح، حين أكد بوضوح أن الاستثمار هو الرافعة الأساسية لإنعاش الاقتصاد الوطني، ودعا إلى تمكين المراكز الجهوية للاستثمار من القيام بدورها الكامل في الإشراف والمواكبة الفعلية للمشاريع، من الفكرة إلى الإنجاز.
غير أن الواقع الميداني يعكس مفارقة مقلقة؛ ففي الوقت الذي تستعد فيه البلاد لتنزيل ميثاق الاستثمار الجديد، الذي يطمح إلى رفع حصة الاستثمار الخاص إلى ثلثي الاستثمار الإجمالي في أفق 2035، تحولت بعض المراكز من أداة تحفيز إلى عنصر تعطيل، بفعل بطء المساطر وتردد لجان البت في اتخاذ القرار.
تتجلى أزمة المراكز الجهوية للاستثمار بشكل أوضح داخل اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، حيث يشتكي عدد من المستثمرين من ممارسات تطرح أكثر من علامة استفهام، من بينها:
رفض غير معلل: اتخاذ قرارات سلبية دون تسبيب قانوني أو تقني واضح، في تناقض مع مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
تضارب التأويلات: اختلاف قراءات النصوص القانونية والتنظيمية بين الإدارات الممثلة داخل نفس اللجنة، ما يربك المستثمر ويطيل أمد دراسة الملف.
ثقافة التحفظ المفرط: تغليب منطق “السلامة الإدارية” وتعليق القرارات خوفاً من المسؤولية، بدل اعتماد الجرأة الإدارية التي تتطلبها رهانات التنمية.
في عالم الاستثمار، يُعد الزمن عنصراً حاسماً. فالمستثمر، سواء كان وطنياً أو أجنبياً، لا يطالب بامتيازات استثنائية، بل بوضوح المساطر، وسرعة المعالجة، واحترام الآجال. وعندما تتحول المراكز الجهوية إلى فضاءات للانتظار غير المحدود، فإن النتيجة تكون هروب الرساميل، وضياع فرص الشغل، وخسارة قيمة مضافة كان يمكن أن تسهم في رفع الناتج الداخلي الخام.
إن نجاح ميثاق الاستثمار الجديد لا يتوقف على جودة الإطار القانوني فقط، بل يرتبط أساساً بقدرة المراكز الجهوية للاستثمار على التحول من منطق المراقبة إلى منطق الشراكة، ومن عقلية المنع إلى ثقافة الحلول.
فالرهان اليوم واضح ولا يحتمل التأجيل: إما أن تستعيد هذه المراكز روح الإصلاح وتتحول إلى قاطرة حقيقية للتنمية الجهوية، منسجمة مع التوجيهات الملكية وانتظارات الفاعلين الاقتصاديين، أو أنها ستغدو رمزاً جديداً لتعثر الإصلاح الإداري، وضياع فرصة تاريخية للمغرب لتحقيق إقلاع اقتصادي شامل ومستدام.













