يستعد ميناء الناظور غرب المتوسط لدخول مرحلة التشغيل مع نهاية الربع الأخير من سنة 2026، في خطوة يرتقب أن تعزز موقع المغرب داخل سلاسل الإمداد الطاقية العالمية، فالمشروع لا ينظر إليه فقط كبنية تحتية مينائية جديدة، بل كمنصة استراتيجية مرشحة للاضطلاع بدور محوري في حركة تجارة المحروقات على مستوى حوض المتوسط وما وراءه.
بقدرة معالجة قد تصل إلى 25 مليون طن من المحروقات سنويًا، يتجه الميناء ليصبح مركزًا متقدمًا للتخزين وإعادة الشحن وتزويد السفن، بما يجعله قريبًا من نماذج موانئ طاقية كبرى مثل ميناء روتردام، وميناء الفجيرة، وميناء سنغافورة.
غير أن خصوصية التجربة المغربية تكمن في كونها تراهن على لعب دور نفطي محوري دون أن تكون دولة منتجة للنفط، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي عند ملتقى الطرق البحرية بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا، ومن استقرارها السياسي وتطور بنياتها التحتية.
هذا التموقع يمنح المغرب فرصة التحول إلى فاعل رئيسي في تجارة الطاقة عبر تقديم خدمات ذات قيمة مضافة، تشمل التخزين الاستراتيجي، والخلط، وإعادة التصدير، وتزويد السفن بالوقود. كما أن تنامي الطلب العالمي على تأمين سلاسل التوريد الطاقية، في ظل التحولات الجيوسياسية وإعادة رسم مسارات التجارة، يفتح المجال أمام منصات جديدة قادرة على ضمان المرونة والنجاعة اللوجستيكية.
ولا تقتصر أهمية المشروع على بعده اللوجستي، بل تمتد إلى رهانات اقتصادية ومالية أوسع. فنجاح منصة طاقية بهذا الحجم يقتضي إدماجها ضمن رؤية وطنية شاملة تربط بين اللوجستيك والتمويل والخدمات، وفي هذا السياق، يبرز دور القطب المالي للدار البيضاء كمحور أساسي يمكن أن يواكب الدينامية الجديدة عبر تطوير خدمات تمويل التجارة، والتأمين، وإدارة المخاطر المرتبطة بأسواق الطاقة.
فالربط بين الميناء كمركز مادي للتدفقات الطاقية، والدار البيضاء كمركز مالي إقليمي، من شأنه أن يخلق تكاملا استراتيجيا يعزز مكانة المغرب في سلاسل القيمة العالمية.
إضافة إلى ذلك، ينتظر أن يحدث المشروع أثرا مباشرا وغير مباشر على الاقتصاد الوطني، سواء من حيث خلق فرص الشغل، أو تحفيز الاستثمارات الصناعية المرتبطة بالطاقة والبتروكيماويات، أو تعزيز الطلب على الخدمات اللوجستيكية والهندسية. كما يمكن أن يشكل رافعة لتنمية الجهة الشرقية، عبر إدماجها في شبكات التجارة الدولية وتحويلها إلى قطب اقتصادي صاعد.
يمثل ميناء الناظور غرب المتوسط رهانا استراتيجيا يتجاوز كونه مشروعا بنيويا، ليجسد رؤية تسعى إلى تمكين المغرب من لعب دور “لاعب نفطي بدون نفط”، قائم على توظيف الموقع الجغرافي، والبنية التحتية المتطورة، والتكامل بين الاقتصاد الحقيقي والقطاع المالي.
وإذا ما تم استثمار هذه المقومات ضمن مقاربة مندمجة وطويلة الأمد، فإن سنة 2026 قد تشكل بداية مرحلة جديدة في تموقع المغرب داخل الخريطة الطاقية العالمية.













