دخل ملف تزويد السوق الوطنية بالمحروقات مرحلة جديدة من النقاش السياسي والمؤسساتي، بعد توجيه البرلماني خالد الشناق سؤالا كتابيا إلى وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة حول وضعية المخزون الاستراتيجي للمواد البترولية، في سياق تزايد المخاوف المرتبطة بالأمن الطاقي للمملكة، خاصة مع تسجيل اضطرابات ظرفية في تزويد بعض محطات الوقود.
السؤال البرلماني الذي أثار الجدل جاء على خلفية معطيات تفيد بتأخر تفريغ ناقلات الوقود بالموانئ الوطنية، وما ترتب عن ذلك من ارتباك محدود في توزيع المحروقات بعدد من المناطق. وتكشف هذه التطورات عن هشاشة محتملة في منظومة الإمداد، خصوصاً في بلد يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد الطاقة من الخارج، مما يجعله عرضة لتقلبات السوق الدولية والظروف اللوجستيكية.
أحد أبرز محاور المساءلة يتعلق بمدى احترام الالتزامات القانونية المتعلقة بالمخزون الاحتياطي. إذ ينص الإطار القانوني على ضرورة احتفاظ شركات التوزيع بمخزون يغطي نحو 60 يوماً من الاستهلاك لضمان الأمن الطاقي في حالات الطوارئ أو اضطراب الأسواق.
غير أن تقارير رسمية وتحليلات قطاعية تشير إلى أن المخزون الفعلي ظل في فترات عديدة أقل من هذا السقف القانوني، حيث تراوح أحياناً بين 30 و40 يوماً حسب نوع المادة البترولية. كما أفادت تقييمات حديثة بأن الاحتياطات لم تبلغ الحد المطلوب خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يطرح أسئلة حول فعالية آليات المراقبة والتنظيم.
ويطرح هذا الوضع فرضيتين رئيسيتين: إما أن بعض الفاعلين في السوق لا يحترمون الالتزامات القانونية المتعلقة بالمخزون، أو أن منظومة الرقابة نفسها تحتاج إلى تعزيز لضمان الأمن الطاقي.
كما أعادت الأزمة الحالية إحياء النقاش حول مصفاة “لاسامير”، التي ظلت منذ توقفها محور جدل سياسي واقتصادي. ويرى عدد من المتابعين أن إعادة تشغيلها يمكن أن تمنح المغرب هامشاً أكبر في التكرير والتخزين، مما يقلص الاعتماد الكامل على الاستيراد.
وفي ظل تقلبات الأسواق العالمية، يعتقد خبراء أن تعزيز قدرات التخزين وتنويع مصادر الإمداد يمثلان خياراً استراتيجياً لتقوية سيادة المملكة الطاقية، خاصة وأن محدودية نقاط دخول المنتجات البترولية تُعد أحد عوامل الهشاشة البنيوية في القطاع.
ورغم تأكيدات الوزارة الوصية باستقرار الوضع، فإن انتقال الملف إلى البرلمان يعكس حساسية قضية الأمن الطاقي بالنسبة للرأي العام. فالأزمات العابرة، حتى وإن كانت مرتبطة بعوامل ظرفية مثل الأحوال الجوية أو التأخيرات اللوجستيكية، قد تكشف اختلالات أعمق في تدبير الاحتياطات.
وفي انتظار رد الحكومة، يبدو أن النقاش الدائر حالياً يتجاوز مجرد أزمة محطات وقود ظرفية، ليطرح سؤالاً استراتيجياً حول نموذج تدبير الطاقة في المغرب: هل تكفي الآليات الحالية لضمان أمن الإمدادات، أم أن المرحلة المقبلة تفرض مراجعة شاملة للسياسات المرتبطة بالمخزون والتكرير والتخزين؟














