لم تكن الجلسة الأولى لدورة فبراير 2026 بمجلس جماعة أيت ملول مجرد محطة إدارية للمصادقة على النقاط المدرجة، بل تحولت إلى “محاكمة سياسية” علنية كشفت حجم الهوة بين الخطاب التدبيري والواقع المعاش. الدورة التي ترأسها هشام القيسوني، أعادت إلى الواجهة سؤالاً حارقاً: إلى متى ستظل أيت ملول رهينة لسياسات “الهروب إلى الأمام” وتبادل التهم بين رؤساء تعاقبوا على الكرسي وتركوا المدينة غارقة في الحفر؟
في مشهد سريالي، ارتدى الرئيس الأسبق، الحسين اضرضور، جبة “الناصح الأمين”، منتقداً الوضعية الكارثية للبنية التحتية، ومطالباً بتحويل ميزانية بناء مقر الجماعة (700 مليون سنتيم) لإصلاح الطرقات التي قال إنها “تُصدم” كل من يطأ أرض المدينة.
لكن، وبالرغم من وجاهة المقترح تقنياً، إلا أن الخطاب حمل في طياته “تناقضاً صارخاً”؛ فالسيد اضرضور الذي ظل على رأس هذه الجماعة لسنوات طوال، يتحدث اليوم عن تدهور البنية التحتية وكأنه وافد جديد على المدينة، وليس أحد المهندسين الرئيسيين لواقعها الحالي. إن نصيحته للرئيس الحالي بـ”كشف المستور” وتبرئة ذمته من الإرث القديم، تبدو في عمقها محاولة لرمي الكرة في ملعب “المستقبل” للتشويش على “إخفاقات الماضي”.
مدينة بوزن اقتصادي.. وبنية تحتية من “الكرتون”
من المخجل حقاً، وبعد توالي مجالس بمشارب سياسية مختلفة، أن يظل النقاش في عام 2026 محصوراً في “الحفر” و”تزفيت الشوارع”. إن استغراب المتدخلين، ومن بينهم الدكتور براهيم بنعلي، من غياب مقر يليق بالمدينة منذ سبعينيات القرن الماضي، هو في الحقيقة إدانة جماعية لكل من جلس على كرسي الرئاسة ولم يفلح في منح أيت ملول هيبة إدارية توازي ثقلها الاقتصادي والديمغرافي.
بينما تنعم جماعات مجاورة بمقرات حديثة وبنيات تحتية متطورة، تكتفي أيت ملول باتفاقيات “عقوبات بديلة” و”إعادة تخصيص مرافق”، في وقت تظل فيه الشرايين الرئيسية للمدينة شاهدة على تدبير لم ينجح -عبر تعاقب المجالس- في تجاوز منطق “الترقيع”.
المسؤولية المشتركة: كفى من سياسة “تراكم الأخطاء”
إذا كان الدكتور بنعلي قد حاول تلطيف الأجواء بالحديث عن “مبدأ التراكم”، فإن المواطن الملولي يرى أن ما تراكم فعلياً هو الخصاص المهول والوعود المؤجلة. إن القنطرة الجديدة، على أهميتها، لا يمكن أن تكون الشجرة التي تخفي غابة الإهمال الذي طال الأحياء الهامشية والعدالة المجالية المفقودة.
إن ما شهدته الدورة من “جلد ذاتي” بين أعضاء ينتمون لنفس العائلة السياسية، يكشف أن أزمة أيت ملول ليست أزمة ميزانيات فحسب، بل هي أزمة رؤية تدبيرية تعاقبت على إهدار الزمن التنموي. فالمواطن الذي “يُصدم” اليوم بحالة الطرقات، لا يهمه من أين بدأ الخلل، بل يهمه أن من يطلب صوته اليوم هو نفسه من كان يملك القرار بالأمس.
على الرؤساء “السابقين” و”الحالي” أن يدركوا أن التاريخ لا يرحم، وأن الذاكرة الجماعية لساكنة أيت ملول لم تعد تنطلي عليها مناورات “تبادل الأدوار”. فإصلاح المدينة يبدأ من الاعتراف بالشجاعة بالفشل المتراكم، وليس بالاختباء وراء مقترحات تقنية تظهر في اللحظات الأخيرة من عمر المجالس.











