نقد بمفعول رجعي.. هل يصدق المواطن “فرسان الفيسبوك” الجدد؟

في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام، استفاق عدد من المنتخبين والفاعلين الجمعويين، ومعهم بعض أصحاب الصفحات على موقع “فيسبوك”، من سباتٍ طال أمده، ليكتشفوا فجأة أن أداء بعض رؤساء الجماعات والبرلمانيين ضعيفٌ ولا يرقى إلى تطلعات المواطنين. هذا “الاكتشاف المتأخر” يطرح سؤالاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره: أين كان هؤلاء طوال أزيد من أربع سنوات ونصف؟

خلال هذه المدة، كانت الاختلالات ذاتها قائمة، بل وربما أكثر وضوحاً، وكان المواطن يشتكي يومياً من تعثر المشاريع، وضعف الخدمات، وغياب التتبع والمحاسبة. ومع ذلك، لم نرَ هذا الزخم من “الغيرة على الشأن العام”، ولا هذا السيل من الانتقادات الحادة، ولا تلك الحملات التي تحاول اليوم تصدّر المشهد وكأنها صوت الحق الوحيد.

إن الصمت الطويل الذي طبع مواقف هؤلاء لا يمكن اعتباره صدفة أو غفلة جماعية؛ بل يبدو في كثير من الأحيان أنه كان صمتاً “مريحاً” أو محسوباً، إلى أن اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، فبدأت الأوراق تختلط، وارتفعت فجأة نبرة الخطاب النقدي. هنا يصبح من المشروع التساؤل: هل يتعلق الأمر فعلاً بوعي متأخر بخطورة الوضع، أم هو “استيقاظ انتخابي” بامتياز؟

والملاحظ أن عدداً من هؤلاء المنتقدين اليوم، صاروا لا يخفون طموحاتهم السياسية، بل إن بعضهم بدأ يلمّح أو يصرّح برغبته في الترشح؛ مما يضع الحراك الحالي أمام علامات استفهام كبرى حول خلفياته الحقيقية. فهل نحن أمام صحوة ضمير، أم أمام حملة تمهيدية لبناء قاعدة شعبية على أنقاض انتقادات متأخرة؟

لا أحد يعارض النقد، بل هو ضرورة لتصحيح المسار وتعزيز الديمقراطية المحلية، لكن النقد الذي يأتي في الوقت المناسب، وباتساق ومصداقية، يختلف جذرياً عن ذلك الذي يظهر فقط مع اقتراب صناديق الاقتراع. فالمواطن لم يعد ساذجاً، ويدرك جيداً الفرق بين من يواكب همومه بشكل دائم، ومن يتذكرها فقط حين تلوح في الأفق فرصة الظفر بمقعد.

إن تحويل العمل الجمعوي أو الإعلامي الرقمي إلى مجرد منصة للتموقع السياسي المؤقت، يفرغ هذه الأدوار من قيمتها النبيلة، ويجعلها عرضة لفقدان الثقة؛ لأن خدمة الصالح العام لا تُختزل في موسم انتخابي، ولا تُبنى على انتقائية في المواقف.

 يبقى الرهان الحقيقي على وعي المواطن، القادر على التمييز بين من يشتغل بصدق واستمرارية، ومن يستفيق فقط عندما تقترب المواعيد الانتخابية. أما المسرحيات المكشوفة، فسرعان ما يسقط قناعها، مهما حاول أصحابها إتقان أدوارهم.

الأخبار ذات الصلة

1 من 1٬217

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *