ليست المراسلة التي وجهتها جمعية التسامح و المواطنة للأعمال الاجتماعية والثقافية بحي أزرو الى عامل الإقليم مجرد وثيقة مطلبية عادية، بل يمكن قراءتها باعتبارها مؤشراً واضحاً على أزمة أعمق في تدبير الشأن المحلي داخل جماعة أيت ملول. فحين يجد المجتمع المدني نفسه مضطراً لإعداد تشخيص ميداني شامل ورصد اختلالات متعددة القطاعات، فإن ذلك يكشف عن فجوة حقيقية بين الخطاب التنموي المعلن والواقع المعيش.
ما يثير الانتباه في الوثيقة التشخيصية هو شموليتها، إذ تناولت جوانب متعددة تشمل البنية التحتية والخدمات الأساسية والتهيئة الحضرية والبيئة والمرافق العمومية. غير أن أهمية هذا التشخيص تكمن أيضاً في دلالته السياسية: هل أصبح المجتمع المدني يقوم بوظائف يفترض أن تضطلع بها المؤسسات المنتخبة وأجهزة التخطيط الجماعي؟
هذا الوضع يعكس، وفق متابعين، ضعفاً في آليات الرصد الاستباقي والتقييم الدوري داخل التدبير الجماعي، حيث يبدو أن المشاكل لا تظهر في الأجندة السياسية إلا بعد أن تتحول إلى ضغط اجتماعي أو مراسلات رسمية.
أحد أبرز المحاور التي تضمنتها المراسلة هو شعور ساكنة حي أزرو بوجود تفاوت في توزيع المشاريع والخدمات مقارنة مع أحياء أخرى. ورغم أن العدالة المجالية أصبحت شعاراً مركزياً في السياسات العمومية، فإن واقع بعض الأحياء يكشف استمرار منطق التنمية غير المتوازنة.
هذا التفاوت لا يقتصر على البنية التحتية، بل يمتد إلى الإحساس بالتمثيلية داخل القرار المحلي، حيث يرى العديد من المواطنين أن أولويات التدخلات تُحدد أحياناً وفق اعتبارات سياسية أو انتخابية بدل معايير تنموية موضوعية.
و تسلط الوثيقة الضوء على إشكالية أخرى تتعلق بطريقة تدبير الملفات المحلية، إذ يبدو أن العديد من التدخلات تأتي كرد فعل على الأزمات أو الضغوط، بدل أن تكون نتيجة رؤية استراتيجية مبنية على التخطيط المسبق.
هذه المقاربة تجعل الجماعة في موقع المتلقي للأحداث بدل صانعها، وهو ما يؤدي إلى تراكم الاختلالات وتحولها إلى ملفات مزمنة يصعب حلها بحلول ظرفية.
فعندما تضطر جمعيات المجتمع المدني إلى توجيه مراسلات تفصيلية لتشخيص واقع حي بكامله، فإن الأمر لا يعكس فقط نقص الخدمات، بل يعبر أيضاً عن أزمة ثقة في قنوات التواصل المؤسساتي. فالمقاربة التشاركية التي ينص عليها الإطار القانوني للجماعات الترابية تبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى شعارات منها إلى ممارسة فعلية.
وإذا استمرت هذه الهوة بين الساكنة والمؤسسات، فإنها قد تعمق الشعور بالتهميش وتضعف المشاركة المواطنة في تدبير الشأن العام.
هل حان وقت مراجعة نموذج التدبير؟
تطرح حالة حي أزرو سؤالاً أكبر يتعلق بمدى قدرة نموذج التدبير المحلي الحالي على مواكبة التحولات الحضرية المتسارعة. فالتحدي لم يعد فقط في إنجاز المشاريع، بل في ضمان توزيع عادل لها، وفي بناء آليات مؤسساتية قادرة على الإنصات المبكر لمطالب الساكنة.
الرهان اليوم، كما يرى متابعون، هو الانتقال من منطق التدبير الإداري التقليدي إلى حكامة ترابية تعتمد على المعطيات الميدانية والتخطيط الاستباقي والتفاعل المستمر مع المجتمع المدني، وإلا فإن مثل هذه المراسلات ستتحول إلى ظاهرة متكررة تعكس خللاً بنيوياً في إدارة التنمية المحلية.
حي أزرو بأيت ملول… عندما يتحول التشخيص المدني إلى شهادة على فشل التدبير المحلي











