والاعتراف لرموز الوطنية الصادقة، خلد فرع الحزب الاشتراكي الموحد ببلفاع الذكرى الثانية لرحيل المجاهد والمناضل الكبير محمد بنسعيد أيت إيدر، من خلال تنظيم ندوة فكرية حول موضوع “الإعلام والمؤسسات المنتخبة” أطرها الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، بحضور مناضلين وفاعلين سياسيين ومدنيين ومهتمين بالشأن العام.
لم يكن اللقاء مجرد محطة تأبينية عابرة، بل مناسبة لاستحضار سيرة رجل اختار أن يكون في صف الشعب حتى آخر نفس، وجسّد نموذج السياسي المقاوم الذي لم يساوم على مبادئه، وظل صوته عالياً دفاعاً عن الحرية والعدالة والديمقراطية.
ولد محمد بنسعيد أيت إيدر سنة 1925 بقرية تين منصور بإقليم اشتوكة آيت باها، وانخرط مبكراً في صفوف المقاومة وجيش التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، قبل أن يشق مساراً سياسياً طويلاً بدأه داخل حزب الاستقلال، ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ليؤسس لاحقاً منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ويصبح أحد أبرز وجوه الحزب الاشتراكي الموحد.

وفي سياق استحضار هذا الإرث، جاءت مداخلة عبد العزيز كوكاس لتطرح سؤال الإعلام ودوره في مراقبة أداء المؤسسات المنتخبة، مقسماً المشهد إلى شطرين واضحين: إعلام جاد يمارس الرقابة والمساءلة، وإعلام بئيس يلمّع صورة المجالس ويبرر إخفاقاتها.
وأشار كوكاس إلى أن الحديث عن الإعلام اليوم بات يواجه معضلة لغوية، لأن المفاهيم القديمة لم تعد قادرة على توصيف واقع جديد انهارت فيه القيم الكبرى وتراجعت الإيديولوجيات، في ظل عالم يسوده اللايقين. فالفضاء العام الذي كان حكراً على النخب السياسية والثقافية أصبح مفتوحاً أمام الجميع، دون ضوابط أو تكوين مهني، مما أفرز فوضى إعلامية تتحكم فيها منصات التواصل أكثر مما تتحكم فيها المؤسسات.
وأوضح أن الصحافيين في المغرب ما زالوا يخوضون معركة يومية من أجل الحق في الوصول إلى المعلومة، بينما يقع جزء واسع من الجمهور فريسة للأخبار الزائفة، خاصة عبر تطبيقات التراسل الفوري، ما يهدد الوعي الجماعي ويضعف النقاش العمومي.
ولم يخف كوكاس قلقه من وضع الصحافة الورقية، التي وصفها بأنها تعيش مرحلة “احتضار”، بفعل التحول الرقمي الكاسح، معتبراً أن مديري النشر والصحافيين باتوا كفرسان “دون كيشوت” يقاتلون معركة يعرفون مسبقاً أنهم سيخسرونها. لكنه شدد في المقابل على أن معركة الإعلام الحقيقية ليست بين الورقي والرقمي، بل بين عمق الرسالة وسطحية المضمون، بين الضمير الإنساني ومنطق الخوارزميات.
ودعا إلى بناء إعلام جديد يجمع بين المهنية والتقنية، يقوم على الشفافية في التمويل والإعلانات، وتحسين الأوضاع الاجتماعية للصحافيين، وتعزيز التكوين المستمر، والاستثمار في التحول الرقمي دون التفريط في الروح النقدية والوظيفة الرقابية.
هكذا، تحولت الندوة ببلفاع من لحظة استذكار لاسم كبير في تاريخ المغرب السياسي، إلى فضاء للتفكير الجماعي في أسئلة الحاضر: كيف نحمي الديمقراطية المحلية؟ ومن يراقب المنتخبين؟ وأي إعلام نريد؟
أسئلة بدت منسجمة مع روح محمد بنسعيد أيت إيدر، الذي علّم أجيالاً أن السياسة التزام أخلاقي قبل أن تكون موقعاً، وأن الكلمة الحرة شكل من أشكال المقاومة. وفي ذلك، ربما يكون أفضل وفاء لذكراه هو الاستمرار في قول الحقيقة… مهما كانت كلفتها.
ادريس التنيني بلفاع










