بين طريقة النطق وثقل المسار.. هل أصبحت اللكنة معيارًا لتقييم السياسيين؟

يُثار النقاش حول أسلوب الخطاب السياسي وطرق إلقائه كلما ظهرت قيادة جديدة على مسرح التدبير الشأن العام، ومثال ذلك ما جرى تداوله مؤخراً عقب تقديم رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، لبرنامجها الحكومي أمام البرلمان. فقد تعرضت حينها لموجة من السخرية طالت طريقة نطقها لبعض الكلمات العربية، وهو أمر يطرح تساؤلات جوهرية حول نظرتنا المجتمعية إلى اللكنة وأثرها.

إن الحقيقة الثابتة لغويًّا واجتماعيًّا هي أن كل شخص يتحدث لغة ثانية أو يتبنى تعابير متعددة قد يحتفظ حتمًا بأثر لغته الأم في مخارجه الصوتية وطريقة نطقه، ومن ثم لا ينبغي أبدًا اعتبار هذا التأثير الطبيعي عيبًا يستوجب التنمر أو سببًا للسخرية والاستهزاء.

لقد باتت ظاهرة التهكم على طريقة النطق ممارسة مألوفة للأسف، وهي ظاهرة عانى منها المغاربة مرارًا وتكرارًا في الشارع، وفي وسائل الإعلام، وحتى في الأعمال الدرامية والمسلسلات، متناسين أن السخرية من اللكنة قد تتحول سريعًا إلى شكل من أشكال التنمر المقنع والإساءة الصريحة إلى الهوية الشخصية والثقافية للأفراد. فاللكنة في جوهرها ليست عيبًا ينبغي على المرء الخجل منه، بل هي صدى حي للجذور والذاكرة العميقة التي ينحدر منها الإنسان، وعليه فإن الاعتزاز بها يُعد جزءًا لا يتجزأ من الاعتزاز بالهوية الشخصية والثقافية الأصيلة.

تتصل هذه القضية ارتباطًا وثيقًا بمفهوم “تمغرابيت” وبأبعاد التنوع الثقافي المغربي الغني، فاللكنة تمثل إحدى التجليات الحية للهوية المغربية المتعددة الروافد. فالهوية المغربية تشكلت عبر التاريخ بفضل تفاعل وتلاقح روافد متعددة تشمل الأمازيغية، والعربية، والحسانية، والإفريقية، والأندلسية، إلى جانب الرافد المتوسطي. وإن هذا التنوع اللغوي والثقافي يعتبر عنصرًا أساسيًا من عناصر غنى الهوية المغربية المشتركة. فمفهوم “تمغرابيت” لا يعني مطلقًا أن يتحدث جميع المغاربة بالطريقة نفسها وبقالب موحد، بل على العكس من ذلك، تؤكد الهوية الوطنية قدرتها على الاتساع واستيعاب هذا الاختلاف الثري في اللهجات واللكنات ومختلف طرق التعبير.

من هذا المنطلق، يصبح لزامًا الفصل بوضوح تام بين الاختلاف السياسي وبين السخرية الشخصية المهينة؛ إذ يحق لكل مواطن أو فاعل سياسي الاختلاف مع رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، ومحاسبتها سياسيًّا على أدائها وبرامجها وتدبيرها للشأن العام، غير أن النواب والمنتقدين ملزمون بأن ينصب نقدهم حصريًا على السياسات والقرارات لا على الخصائص الصوتية أو طريقة النطق. فضلاً عن ذلك، فإن السخرية من اللكنة يجب ألا تحجب الحقيقة القائلة بأن إتقان اللغات لا يستلزم بأي حال من الأحوال التنكر للغة الأم أو الانسلاخ عنها، فالانفتاح على الآخر لا يعني أبدًا محو الهوية الأصلية أو التخلي عن الجذور الثقافية العميقة.

نطق الإنسان قد يحمل دومًا آثارًا دالة من لغته الأم وتاريخه الثقافي والاجتماعي، واللكنة ليست في أصلها نقصًا يحتاج إلى التصحيح، بل قد تكون أثرًا جميلًا ينطق بحكاية الجذور والانتماء الحقيقي.

ولعل النظر في المسار العصامي والأكاديمي لرئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، يوضح بجلاء كيف ينبغي للمعيار السياسي أن يتأسس على الكفاءة والخبرة العلمية والعملية بدلاً من الشكليات والمظاهر اللغوية؛ فالسياسية والمحامية المغربية المولودة بمراكش سنة 1976 ونشأت في أحضان عائلة عريقة، تلقت تعليمها الأولي بالمدارس الفرنسية بمراكش قبل أن تحرز الإجازة في القانون الخاص بجامعة محمد الخامس بالرباط، ثم تابعت دراساتها العليا بفرنسا لـتنال دبلوم الدراسات المعمقة في قانون عقود الأعمال بجامعة “مونبلييه”، فضلاً عن شهادة في القانون من جامعة “Pace” بالولايات المتحدة الأمريكية، لتراكم خبرة متينة كمحامية مختصة في قضايا الأعمال والنزاعات التجارية وتؤسس مكتبها الخاص للاستشارات القانونية. كما حفرت اسمها بقوة في المشهد السياسي الإقليمي والوطني بعد أن تولت عمودية مدينة مراكش لفترتين (2009-2015 و2021)، ثم شغلت منصب وزيرة الإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش ابتداءً من أكتوبر 2021، وصولاً إلى تعيينها من طرف جلالة الملك محمد السادس رئيسةً للحكومة  كأول امرأة تتولى هذا المنصب رفيع المستوى في تاريخ المملكة إثر قيادتها لحزب “الأصالة والمعاصرة” للظفر بالانتخابات التشريعية، مما يؤكد أن قيمة الفاعل السياسي تُقاس برصيده المهني والتنفيذي لا بلكنته أو طريقة نطق كلماته.

Abd.Boutbaoucht

الأخبار ذات الصلة

1 من 982

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *