تستمر أسطوانة النجاحات الوهمية في طحن الاستغلال اليومي لصحة المغاربة، حيث تُطل علينا شركات الأدوية المدرجة في بورصة الدار البيضاء، وعلى رأسها “سوطيما” و”بروموفارم”، بأرقام أرباح ومعاملات تتجاوز حاجز المليارين ومائتي مليون درهم خلال النصف الأول من سنة 2026، وكأننا نعيش في بحبوحة رفاهية اجتماعية خالية من أي أزمات. وتتراقص هذه الأرقام الفلكية فوق آلام المرضى ومعاناتهم المستمرة جراء غلاء أسعار الدواء وضعف القدرة الشرائية، لتتحول صحة المواطن إلى مجرد سلعة في سوق البورصة وميزانية تضخمت بالربح الفاحش والتوسع الاحتكاري.
من جهة، تتباهى شركة “سوطيما” بتحقيق رقم معاملات بلغ نحو 1.8 مليار درهم، مدفوعة بارتفاع جنوني للمبيعات وقفزات استثمارية واقتناء علامات تجارية دولية كبرى، وكأن همها الوحيد هو مراكمة الثروات وتوسيع الإمبراطورية الصناعية على حساب المستهلكين المنهكين أصلاً من تكلفة العلاج الباهظة وأعباء التغطية الصحية الناقصة. ومن جهة أخرى، تعرّي فضيحة “بروموفارم” هشاشة التسيير وسوء التدبير الاستثماري، إثر تراجع صافي أرباحها بشكل مفزع من 26 مليون درهم إلى أقل من 7 ملايين، نتيجة تخبطها في نفقات مصانعها وتكاليف البحث والصرف التي تلقي بها تعسفاً على كاهل الإنتاج والمستهلك البسيط.
لا تعدو هذه التحولات في قطاع الأدوية المغربي أن تكون مرآة عاكسة لفشل السياسات العمومية في حماية المواطن من جشع الشركات التي تتخذ من المرض فرصة للربح السريع وتحطيم الأرقام القياسية، متخذة من تعميم التغطية الصحية ذريعة لتفريغ جيوب المغاربة باسم التطوير والاستثمار. وعوض أن يترجم هذا النمو الاقتصادي إلى خفض أسعار الأدوية وتخفيف العبء الصحي والاجتماعي العنيف، تتراشق الشركات بتداعيات استثماراتها وضغوطاتها المالية، ليواجه المواطن وحيداً جحيم الأسعار وغلاء العلاجات تحت سمع وبصر المسؤولين الذين صمّوا آذانهم مكتفين بلغة الأرقام الصماء.












