هل أخطأ حسن أوريد في تفسير أحداث سبتة؟ عندما يغيب الدليل عن التحليل

نشر موقع الجزيرة، يوم 3 غشت 2026، مقالا ل حسن أوريد بعنوان “البحر أمامكم”، وقدم صاحبه بصفته أكاديميا وسياسيا مغربيا وأستاذا للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط. وهي صفات لا خلاف حولها، كما أن حسن أوريد سبق أن تقلد مناصب سامية داخل الدولة، فكان أول ناطق رسمي باسم القصر الملكي عند اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، ثم مؤرخا للمملكة، قبل أن يعين واليا على جهة مكناس تافيلالت.

ولأن الرجل ليس كاتبا عاديا، بل شخصية راكمت تجربة في مؤسسات الدولة والجامعة، فإن القارئ ينتظر منه تحليلا يرقى إلى مستوى هذا المسار، قائما على الوقائع، والأرقام، والدراسات، لا على الانطباعات والاستنتاجات السريعة.

غير أن أكثر ما أثار الانتباه في مقاله هو محاولته تفسير موجة الهجرة غير النظامية الأخيرة نحو سبتة بإرجاعها إلى مدونة الأسرة.

كتب حسن أوريد: “لم تعد شريحة ما يسمى بـ”نيت” (NEET)  تطفح بالغضب فقط، بل تحمل العنف كذلك، وهي نتاج ما سمي بمدونة الأسرة”، ثم عاد ليؤكد: “عدد كبير من النازحين هم أبناء أسر من ولي واحد، أي من نتاج مدونة الأسرة”.

وهنا يبدأ الإشكال الحقيقي. ليس لأن الرأي ممنوع، بل لأن الاستنتاج جاء من دون مقدماته العلمية. فمن أين استقى حسن أوريد هذه المعطيات؟ هل أجرى دراسة ميدانية بين آلاف الشباب الذين حاولوا الوصول إلى سبتة؟ هل استند إلى بحث سوسيولوجي أو نفسي؟

هل اعتمد إحصاءات رسمية تثبت أن “عددا كبيرا” منهم أبناء أسر من ولي واحد؟ أين هي المراجع التي تسمح للقارئ بالتحقق من هذه النتيجة؟

المقال لا يقدم شيئا من ذلك. وهذا ليس تفصيلا، بل هو جوهر العمل الأكاديمي. فالعلم لا يقوم على الانطباعات، وإنما على البرهنة. ولا يكفي أن يكون صاحب الرأي أستاذا جامعيا حتى تتحول فرضياته إلى حقائق. بل إن الصفة الأكاديمية تجعل مسؤولية الإثبات أكبر، لأن الأستاذ الجامعي مطالب، أكثر من غيره، بإقامة الدليل قبل إطلاق الأحكام.

والمفارقة أن العالم اليوم يناقش تفسيرا مختلفا تماما لما وقع في سبتة. فبعد الأحداث مباشرة، نشر تييري بريتون، وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي الأسبق، والمفوض الأوروبي السابق، وأحد أبرز مهندسي قانون الخدمات الرقمية الأوروبي، دراسة مطولة اعتبر فيها أن ما جرى يمثل أول هجوم هجين خوارزمي واسع النطاق على حدود الاتحاد الأوروبي.

لم يختزل بريتون الأزمة في الأسرة. ولم يجعل الأب هو المسؤول عن اندفاع عشرات الآلاف نحو البحر. بل ركز على التضليل الرقمي، والخوارزميات، ومنصات التواصل الاجتماعي، والإشاعات المنظمة، وآليات الانتشار الفيروسي للمحتوى، وطالب بفتح تحقيق علمي لمعرفة من أطلق الإشاعات، ومن ضخمها، وكيف تدخلت الخوارزميات، وما إذا كانت هناك جهات منظمة تقف وراء ذلك.

إن الفارق بين المقاربتين ليس في الشهرة ولا في المناصب، بل في المنهج. بريتون طرح أسئلة قبل أن يصدر الأحكام. أما حسن أوريد فقد أصدر الأحكام قبل أن يقدم الأدلة. وهذا فرق جوهري بين التحليل والافتراض.

لقد أصبحت منصات مثل تيك توك، وفيسبوك، وإنستغرام، وواتساب، موضوع آلاف الدراسات الأكاديمية التي تبحث في تأثير الخوارزميات على صناعة الرأي العام، وعلى سلوك الشباب، وعلى الهجرة، وعلى التطرف، وعلى الاستهلاك، وعلى تشكيل الأحلام الفردية.

لكن كل هذا العالم اختفى فجأة من تحليل حسن أوريد، لتحل محله مدونة الأسرة.

أي اختزال هذا؟ وأي تفسير يمكن أن يقنع القارئ بأن قانونا وطنيا هو الذي دفع آلاف الشباب إلى ركوب البحر، بينما تتحدث المؤسسات الأوروبية نفسها عن حملات تضليل رقمية واسعة، وعن محتوى مضلل انتشر بسرعة هائلة، وعن خوارزميات ساهمت في تضخيمه؟

هنا يطرح سؤال اعمق، هل حسن أوريد خاوج سياق العالم الرقمي المتنامي في التقدم والخطورة؟ لأن الوقائع لا تساعد على تبني طرحه المتهالك. فالصور ومقاطع الفيديو أظهرت شبابا من خلفيات مختلفة، وعائلات كاملة، ورجالا يصطحبون زوجاتهم وأطفالهم، وهو ما يؤكد أن الظاهرة أعقد من أن تختزل في نموذج أسري واحد أو في تعديل قانوني بعينه.

ولهذا يحق للقارئ أن يطرح سؤالا مشروعا، هل ينسجم هذا المستوى من التحليل مع المناصب السامية التي تقلدها حسن أوريد؟ فالذين مروا بمواقع المسؤولية العليا داخل الدولة، وشاركوا في صناعة القرار أو كانوا قريبين منه، ينتظر منهم أن يقدموا قراءة دقيقة ومتوازنة، وأن يفرقوا بين الرأي الشخصي والاستنتاج العلمي.

ويحق للقارئ أيضا أن يتساءل عن التحول الذي عرفه خطاب حسن أوريد خلال السنوات الأخيرة. فمن الطبيعي أن تتطور المواقف الفكرية لأي كاتب، وأن يراجع بعض قناعاته، لكن هذا التطور لا يعفي صاحبه من الالتزام بالمنهج نفسه الذي يفترض أن يلتزم به أي باحث، وهو تقديم الدليل قبل النتيجة.

إن أزمة سبتة ليست أزمة مدونة أسرة، وإنما أزمة تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية ورقمية وإعلامية وسياسية، وهو ما تؤكده معظم الدراسات الحديثة والنقاشات الجارية داخل أوروبا نفسها. ولهذا فإن اختزالها في سبب واحد، ثم البناء على هذا السبب لإطلاق أحكام عامة، لا يثري النقاش، بل يختزل الواقع ويبتعد عن مقتضيات البحث العلمي.

إن قوة الكاتب لا تقاس بعدد المناصب التي تقلدها، ولا بعدد الكتب التي نشرها، وإنما بقدرته على إقناع القارئ بالحجة والدليل. فالألقاب تمنح بقرار، أما المصداقية فلا يمنحها إلا المنهج.

الأخبار ذات الصلة

1 من 725

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *