في جنح الليل وعلى دفعات صغيرة، طوى عدد من الشباب المغربي حلم الوصول إلى الضفة الأخرى، عائدين إلى أرض الوطن بعد تجربة قصيرة لم تتجاوز يومين أو ثلاثة أيام داخل مدينة سبتة المحتلة، تجربة كانت كفيلة بهدم الصورة الوردية التي رسموها في أذهانهم طوال سنوات. لقد انطلق هؤلاء في رحلة محفوفة بالمخاطر أملًا في التسلل عبر السياج الحدودي نحو واقع أفضل يضمن لهم عيشًا كريمًا، لكنهم سرعان ما اصطدموا بحقيقة مريرة حوّلت ذلك الحلم إلى كابوس حقيقي، حيث واجهوا أوضاعًا إنسانية قاسية وسوء معاملة أبعد ما تكون عما كانوا يتخيلونه. ويعبر سمير، أحد المهاجرين العائدين، عن هذا التحول القاسي بالقول إنهم كانوا يعتقدون أن الجنة تقبع خلف السياج الفاصل، ليكتشفوا أنهم ألقوا بأنفسهم في جوف الجحيم، مؤكدًا أنهم في وطنهم يحظون بالاحترام والأكل والشرب، بينما لم يجدوا هناك حتى جرة ماء تروي عطشهم، ولم يروا سوى العنف ولغة الهراوات.
وفي الفنيدق، نقطة الوصول والعودة، أجمع معظم المهاجرين الذين شرعوا في التنقل نحو مدنهم الأصلية عبر حافلات وفرتها السلطات المغربية بالمجان، على أن تجربة الهجرة هذه المرة كانت مخيبة للآمال بكافة المقاييس وأسقطت كل الأوهام. ولم تقتصر المعاناة على الحرمان من الأساسيات، بل امتدت لتشمل معاملة تمييزية وانتهاكات صارخة للكرامة؛ إذ روى محمد نياس، الذي تمكن من البقاء داخل الثغر المحتل لاكتشاف أجوائه عن قرب، أن العنصرية حاضرة هناك بقوة وبشكل فج، موجّهًا نصيحة صادقة لكل من يفكر في خوض هذه التجربة بألا يجازف بنفسه في معاناة مماثلة وأن يستفيد من دروس هذه المحنة. وهو ما أيده رشيد أوشاري (33 سنة)، الذي أكد أنه عاين داخل سبتة مظاهر من القمع والعنف الشديد لم يشهدها في أي مكان آخر، مستحضرًا انتشار الأسلحة والتعاملات القاسية غير المسبوقة بالنسبة إليه. وتأتي هذه الشهادات المؤلمة في ظل معطيات أعلنتها السلطات الإسبانية تشير إلى دخول نحو 60 ألف مهاجر إلى المدينة المحتلة، عاد منهم زهاء 48 ألفًا إلى المغرب، لتستمر معها الجهود الميدانية لمعالجة التداعيات الإنسانية والاجتماعية لهذه الموجة الأخيرة.










