في مشهد صادم يعيد إلى الواجهة سؤالاً مؤرقاً طالما تم تجاهله، اهتز إقليم أزيلال على وقع جريمة مروعة ارتكبها شاب يبلغ من العمر 29 سنة في حق أفراد من أسرته، في ظروف تشير معطياتها الأولية إلى معاناته من اضطرابات عقلية حادة. هذه الجريمة، التي أودت بحياة والدته واثنين من أشقائه وكادت تودي بحياة ثالث، ليست مجرد واقعة معزولة، بل هي مرآة تعكس خللاً عميقاً في كيفية تعاطي المجتمع والمؤسسات مع فئة المرضى النفسيين والمختلين عقلياً.
ويطرح هذا الحادث الأليم بإلحاح سؤال المسؤولية: من يتحمل تبعات ترك شخص يعاني من خلل عقلي يتجول بحرية دون رقابة أو متابعة علاجية منتظمة؟ وكيف يمكن لمريض سبق أن كان نزيلاً بمستشفى للأمراض العقلية أن يعود إلى محيطه الاجتماعي دون ضمانات كافية تقيه وتقي أسرته خطر الانتكاسة؟ إن المشكلة لا تنحصر في هذا الحادث بحد ذاته، بل في ظاهرة متفاقمة تتمثل في انتشار المرضى النفسيين في الشوارع والأحياء، حيث يعيشون وسط أسرهم أو في الفضاء العام دون تأطير طبي أو مواكبة اجتماعية حقيقية. فهؤلاء ليسوا مجرمين بطبعهم، بل هم ضحايا مرض يحتاج رعاية خاصة، غير أن إهمالهم يحولهم قسراً إلى مصدر خطر حقيقي، سواء على أنفسهم أو على المحيطين بهم.
من جهتها، تجد الأسر نفسها في مواجهة وضع يفوق طاقتها؛ ممزقة بين عاطفة الخوف على الابن المريض والخوف منه، في ظل شح الإمكانيات وغياب الدعم المؤسساتي. وفي المقابل، تعاني المؤسسات الصحية من خصاص مهول في البنيات التحتية والموارد البشرية، مما يجعل التكفل بالمرضى النفسيين عملية محدودة زمنياً، وغير قادرة على ضمان استقرارهم النفسي على المدى الطويل. لذا، فإن التعامل مع ملف الأمراض العقلية لا يمكن أن يظل رهين مقاربات ظرفية أو تدخلات محتشمة، بل يتطلب سياسة عمومية واضحة ترتكز على التتبع المستمر، وتوفير مراكز إيواء متخصصة، وتفعيل آليات العلاج الإجباري في الحالات التي تشكل خطراً، مع صون الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية للمرضى.
إن ما حدث في أزيلال ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة تراكمات من الإهمال والتقصير، وإذا لم يتم التعاطي مع هذا الملف بالجدية والصرامة اللازمتين، فإن شبح تكرار هذه المآسي سيظل قائماً.
حماية المجتمع تبدأ من حماية فئاته الأكثر هشاشة، وتجاهل المرضى النفسيين ليس مجرد تقصير في حقهم، بل هو تهديد مباشر للأمن العام، ثمنه – كما أظهرت هذه الفاجعة – قد يكون فادحاً ولا يمكن تعويضه.












