من أزمة محطات الوقود إلى سؤال السيادة الطاقية… كيف فتح خالد الشناق ملفاً حساساً من داخل الأغلبية الحكومية؟

لم تعد أزمة المحروقات مجرد اضطراب ظرفي في تزويد بعض محطات الوقود، بل تحولت إلى قضية سياسية واستراتيجية بعد أن شق الملف طريقه إلى قبة البرلمان عبر مساءلة قادها النائب البرلماني خالد الشناق، المنتمي إلى الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية. خطوة حملت أكثر من رسالة، ليس فقط بسبب حساسية الموضوع، بل أيضاً لأن صاحبها ينتمي إلى حزب مشارك في الحكومة، ما يعكس تحركاً رقابياً لافتاً من داخل الأغلبية نفسها.
بدأت القصة باضطرابات محدودة في تزويد بعض المناطق بالمحروقات، تزامنت مع تأخر تفريغ ناقلات الوقود في الموانئ الوطنية. ورغم أن الوزارة الوصية سارعت إلى طمأنة الرأي العام بأن التموين مستقر وأن الوضع لا يدعو للقلق، إلا أن سرعة تأثر السوق أعادت طرح سؤال جوهري: كيف يمكن لتأخير لوجستي محدود أن يربك سلسلة التوزيع في بلد يفترض أنه يمتلك مخزوناً استراتيجياً قادراً على امتصاص الصدمات؟
هذا السؤال كان محور مساءلة الشناق، الذي اختار فتح واحد من أكثر الملفات حساسية، مبرزاً أن هشاشة السوق أمام أي اضطراب قد تعني وجود خلل أعمق في منظومة التدبير وليس مجرد حادث عرضي.
القانون المغربي ينص على ضرورة توفر مخزون استراتيجي من المواد البترولية يغطي حوالي 60 يوماً من الاستهلاك الوطني، وهو معيار معتمد لضمان الأمن الطاقي في حالات الطوارئ. غير أن نقاشات قطاعية وتقارير دولية أثارت في مناسبات سابقة تساؤلات حول مدى بلوغ هذا المستوى فعلياً، ما يفتح الباب أمام فرضيات تتراوح بين ضعف الالتزام من بعض الفاعلين الاقتصاديين أو محدودية آليات الرقابة.
وبحسب معطيات الوكالة الدولية للطاقة، فإن الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، مثل المغرب، تحتاج إلى منظومات تخزين قوية وتدبير استباقي للإمدادات لتفادي التأثر بالتقلبات الدولية أو الاختناقات اللوجستيكية.
خالد الشناق… مساءلة تتجاوز الحسابات الحزبية
ما يميز هذه المبادرة هو أنها تأتي من داخل الأغلبية الحكومية، حيث اختار خالد الشناق فتح ملفات حساسة مرتبطة بقطاعات استراتيجية، في خطوة تعكس توجهاً نحو تفعيل الدور الرقابي للبرلمان بعيداً عن الاصطفافات التقليدية. ويرى مراقبون أن تحريك هذا الملف يعيد الاعتبار لفكرة الرقابة البرلمانية كأداة لتصحيح الاختلالات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا ذات بعد سيادي مثل الطاقة.
“لاسامير”… الحل المؤجل الذي يعود في كل أزمة
لم يكن مستغرباً أن تعود مصفاة “لاسامير” إلى قلب النقاش. فمع كل أزمة أو اضطراب في الإمدادات، يعود السؤال حول جدوى استمرار الاعتماد الكلي على الاستيراد بعد توقف التكرير الوطني. ويرى خبراء أن امتلاك قدرة تكرير وتخزين محلية يمنح الدول هامشاً أكبر من الاستقلالية، ويقلل من تعرضها للصدمات الخارجية.
هل نحن أمام إنذار مبكر؟
بعيداً عن الجدل السياسي، تبدو الأزمة الحالية كأنها اختبار عملي لمدى جاهزية منظومة الأمن الطاقي المغربي. فالتطمينات الرسمية قد تهدئ المخاوف على المدى القصير، لكن الأسئلة التي أثارها الملف داخل البرلمان تعكس قلقاً أعمق: هل يمتلك المغرب فعلاً هامش الأمان الكافي لمواجهة أزمة طاقية مفاجئة؟
ومع انتظار رد الحكومة، يتجه النقاش نحو ما هو أبعد من أزمة محطات الوقود، ليطرح قضية أكبر تتعلق بنموذج تدبير الطاقة في المغرب: هل حان وقت مراجعة شاملة لسياسات التخزين والتكرير والرقابة قبل أن تتحول الاختلالات الصغيرة إلى أزمة وطنية مفتوحة؟

 

الأخبار ذات الصلة

1 من 707

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *