عندما تتحول الأسئلة البرلمانية إلى ضجيج بلا أثر

في خضم النقاش العمومي حول أداء المؤسسة التشريعية، يطفو على السطح سؤال جوهري: ما الذي يمنح العمل البرلماني قيمته الحقيقية؟ هل هو “كمّ” الأسئلة التي تُطرح تحت قبة البرلمان؟ أم حجم الضجيج الإعلامي الذي يرافقها؟ أم أن المعيار الأصدق يظل في مدى جدية هذه الأسئلة، وارتباطها العضوي بقضايا المواطنين، وقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياتهم اليومية؟

إن التجربة البرلمانية أظهرت، في غير ما مناسبة، أن غزارة الأسئلة لا تعني بالضرورة جودة الأداء. فبين نواب يوظفون آلية السؤال البرلماني لخدمة مصالح ضيقة، وآخرين يطرحون قضايا بعيدة عن دوائرهم الانتخابية لمجرد تسجيل الحضور أو ملء الفراغ السياسي، وفئة ثالثة تكتفي بطرح السؤال دون تتبع أو مساءلة حقيقية للحكومة حول مدى تنفيذ الوعود؛ تضيع الغاية الأسمى من الرقابة البرلمانية. وهكذا، تتحول الأداة الدستورية من وسيلة للمحاسبة والدفاع عن هموم الناس إلى مجرد منصة للظهور الإعلامي أو حصد مكاسب سياسية عابرة.

والأدهى من ذلك، أن هذا السلوك يُفرغ العمل البرلماني من محتواه، ويعمق فجوة الثقة بين المواطن وممثليه. فالمواطن، الذي يئن تحت وطأة الغلاء، وضعف الخدمات، والتفاوتات المجالية الصارخة، لا تبهره لغة الشعارات ولا الاستعراضات الخطابية؛ بل يتطلع إلى نائب يستشعر معاناته، ينقل صوته بصدق، ويتابع ملفاته بإصرار داخل اللجان البرلمانية وخارجها، حتى تتحول الأسئلة إلى قرارات، والوعود إلى إنجازات ملموسة.

إن القيمة الحقيقية للنائب البرلماني لا تُقاس بعدد المرات التي يظهر فيها على شاشات التلفزة، ولا بعدد الأسئلة المسجلة باسمه في محاضر الجلسات، بل بالأثر الفعلي الذي يتركه في حياة الساكنة التي ائتمنته على صوتها. فالنائب الذي يتتبع المشاريع المتعثرة، ويضغط من أجل تنفيذ البرامج التنموية، ويعود إلى دائرته الانتخابية ليشرح ويحاور ويحاسب نفسه قبل غيره، هو من يؤدي رسالته بأمانة.

تظل السياسة مسؤولية قبل أن تكون استعراضاً، وخدمة للصالح العام قبل أن تكون بحثاً عن الأضواء. العمل البرلماني، في جوهره، ليس مسابقة في “بلاغة الكلام”، بل التزام أخلاقي ومؤسساتي تجاه الوطن والمواطن. ومن دون هذا الوعي، سيظل البرلمان يعج بالأسئلة، بينما تبقى “أجوبة الواقع” بعيدة عن انتظارات الناس.

الصورة من الأرشيف

 

A.Bout

الأخبار ذات الصلة

1 من 973

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *