نعيمة موحتاين
كرة القدم في السياق المغربي ليست مجرد ممارسة رياضية أو فرجة جماهيرية ظرفية، بل هي حقل رمزي كثيف تتقاطع داخله أسئلة الهوية، والانتماء، والذاكرة الجماعية، وإعادة إنتاج المعنى الاجتماعي. إن تفاعل المغاربة مع كأس أمم إفريقيا يضعنا أمام ظاهرة ثقافية معقدة، تتجاوز منطق المنافسة الرياضية لتلامس بنية الوجدان الجمعي، حيث تتحول الكرة إلى لغة، والمباراة إلى طقس، والمنتخب إلى تمثيل مكثف للأمة في لحظة تاريخية معينة. من هذا المنطلق، يصبح التفكير في كرة القدم تفكيرا في المجتمع ذاته، في طريقته في التعبير عن ذاته، وفي أشكال حضوره داخل الفضاء الرمزي الإقليمي والدولي.
تنتمي كرة القدم، وفق مقاربات أنثروبولوجية، إلى ما يسميه كليفورد غيرتز بالأنساق الرمزية الكثيفة، أي تلك الممارسات التي تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تختزن شبكة معقدة من الدلالات والمعاني. فاللعبة ليست فقط ما يحدث داخل الملعب، بل ما يبنى حولها من خطاب، وانتظار، وتوتر، وفرح، وخيبة. وفي المغرب، حيث يشكل التاريخ الكروي جزءا من الذاكرة الوطنية الحديثة، تكتسب كأس إفريقيا حمولة خاصة، لأنها ليست بطولة عابرة، بل مناسبة يعاد فيها اختبار العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين المحلي والقاري، وبين الحلم والواقع. هنا تتحول الكرة إلى وسيط رمزي يسقط عليه المجتمع آماله المؤجلة، وإحباطاته المتراكمة، ورغبته في الاعتراف والاعتبار.
ويمكن قراءة تفاعل المغاربة مع كأس إفريقيا من خلال مفهوم «الجماعة المتخيلة» كما صاغه بنديكت أندرسون، إذ يلتقي ملايين الأفراد، الذين لا يعرف بعضهم بعضا، حول صورة واحدة هي صورة المنتخب الوطني. هذا الالتقاء لا يتم في فضاء مادي واحد، بل في فضاء رمزي مشترك، تصنعه الشاشة، والصوت، والخطاب الإعلامي، والتعليق اليومي في المقاهي والبيوت ووسائل التواصل الاجتماعي. في لحظة المباراة، يشعر الفرد بأنه جزء من كل أكبر، وأن صوته، وصمته، وانفعاله، يندمج في نسيج وجداني جماعي. هذه اللحظة، رغم قصرها الزمني، تنتج إحساسا قويا بالانتماء، وتعيد تأكيد معنى «نحن» في مواجهة «الآخر» القاري، لا باعتباره عدوا بالمعنى السياسي، بل منافسا رمزيا تقاس من خلاله القوة والجدارة والاعتراف.
فالذاكرة الكروية المغربية تشكل عنصرا مركزيا في هذا التفاعل، إذ لا تعاش كل نسخة من كأس إفريقيا بمعزل عن سابقاتها، بل تقرأ دائما في ضوء تاريخ طويل من الترقب والانتظار. من التتويج الوحيد سنة 1976، إلى توالي الإقصاءات، تشكلت سردية جماعية تتأرجح بين الأمل الدائم وخيبة التكرار. هذه السردية تستعاد في كل مرة، ليس فقط بوصفها تاريخا رياضيا، بل كمرآة لواقع اجتماعي أوسع، حيث ينظر إلى “الفشل” الكروي أحيانا باعتباره نتيجة لاختلالات بنيوية، ويقرأ النجاح، إن تحقق، بوصفه استثناء أو لحظة انفراج. هكذا تصبح الكرة مجالا لإسقاط تأويلات اجتماعية وسيكولوجية، تتجاوز بكثير حدود الرياضة.
ومن الناحية الرمزية، تحمل مباريات كأس إفريقيا ملامح واضحة لما يمكن أن نسميه بالحالات الانتقالية، حيث يدخل المجتمع في حالة «بين-بين»، معلقة بين احتمال الانتصار واحتمال الخسارة. خلال هذه المرحلة، تتعطل الإيقاعات اليومية العادية، ويعاد تنظيم الزمن حول المباراة، وتختزل الأولويات في تسعين دقيقة قد تمتد رمزيا إلى ما بعدها. الشارع المغربي، في هذه اللحظات، يتحول إلى مسرح جماعي، تتداخل فيه الأصوات، والحركات، والرموز البصرية كالأعلام والقمصان، في مشهد أقرب إلى الاحتفال الطقوسي منه إلى المشاهدة الفردية. هذا البعد الإحتفالي يعكس حاجة المجتمع إلى لحظات كثيفة يعيد فيها الاتصال بذاته الجماعية.
وفي السياق المغربي دائما، لا يمكن إغفال الدور المتزايد للفضاء الرقمي في إعادة تشكيل التفاعل مع كأس إفريقيا. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت امتدادا للمقهى والشارع، لكنها أيضا فضاء لإنتاج خطاب مواز، يتراوح بين السخرية، والنقد، والدفاع المستميت. هذا الخطاب الرقمي يعكس تحولات عميقة في علاقة المجتمع بذاته، حيث لم يعد التلقي سلبيا، بل أضحى تشاركيا، يعاد فيه تأويل الحدث الكروي باستمرار. الميمات، التعليقات، الفيديوهات القصيرة، كلها أشكال جديدة للتعبير الثقافي، تظهر كيف اندمجت كرة القدم في الثقافة الرقمية المعاصرة، وأصبحت جزءا من سرديات يومية عابرة للأجيال.
أما من الناحية الهوياتية تكشف كأس أمم إفريقيا، عن مفارقة لافتة في الهوية المغربية، تتمثل في قدرتها على الجمع بين التعدد والوحدة. فالمغرب، بتنوعه اللغوي والثقافي والجهوي، يجد في المنتخب رمزا جامعا، تتراجع أمامه الفوارق مؤقتا، دون أن تختفي كليا. بل إن هذا التعدد يعاد توظيفه داخل التعبير الكروي نفسه، من خلال الأغاني، والهتافات، والرموز المحلية التي تدمج في خطاب وطني أشمل. هنا لا تمحى الخصوصيات، بل تعاد صياغتها داخل إطار جامع، يمنح الهوية الوطنية طابعها الدينامي والمتعدد.
من منظور سيكولوجي-اجتماعي، تمثل كرة القدم في لحظات كأس أمم إفريقيا متنفسا جماعيا لتفريغ التوترات، وإعادة إنتاج الأمل. فالانتصار يمنح شعورا بالاعتراف والاعتبار، حتى وإن كان رمزيا، والهزيمة تفتح المجال للتنفيس والنقد وإعادة طرح الأسئلة. هذا الدور التعويضي لا يعني أن الكرة بديل عن القضايا الاجتماعية العميقة، لكنه يكشف عن حاجة المجتمع إلى مساحات رمزية يعاد فيها التوازن النفسي، ولو مؤقتا. لذلك، فإن شدة التفاعل لا تعكس فقط حب اللعبة، بل أيضا عمق الرهانات التي تسقط عليها.
في النهاية، يمكن القول إن تفاعل المغاربة مع كأس إفريقيا للأمم يشكل مدخلا خصبا لفهم التحولات الثقافية والهوياتية في المجتمع المغربي المعاصر. فالكرة هنا ليست مجرد لعبة، بل خطاب، وطقس، وذاكرة، ومرآة تعكس علاقة المجتمع بذاته وبالعالم. و مقاربة كرة القدم من هذا المنظور تفتح أفقا بحثيا واسعا، يسمح بقراءة الرياضة باعتبارها أحد أهم مفاتيح فهم الثقافة المعاصرة، حيث يتجلى المعنى في أبسط الممارسات، وتختزل أسئلة الهوية الكبرى في تسعين دقيقة من اللعب.














