تُشكل التدوينة الأخيرة للفاعل السياسي الاستقلالي مصطفى جلولي صرخة إنذار قوية تتجاوز حدود إقليم اشتوكة أيت باها، لتعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول أزمة الثقة المتصاعدة بين المواطن والمؤسسات السياسية. ففي اللحظة التي يختار فيها البعض الصمت المطبق، يختار جلولي كسر هذا الحاجز، معتبراً أن السكوت عما يجري داخل التنظيمات الحزبية ليس مجرد حياد، بل هو مساهمة فعلية في “تكريس العبث” واستهتار بالمسؤولية التاريخية التي تقع على عاتق المناضلين الأوفياء.
إن جوهر القضية التي يطرحها جلولي يتعلق بحزب الاستقلال، ذاك الكيان العريق الذي صان مناضلوه استقلالية قراره عبر عقود من التضحيات، لكنه يواجه اليوم محاولات حثيثة لتحويله إلى وسيلة للمقايضة أو المزايدات الانتخابية الضيقة. وتتجلى خطورة هذا الوضع في المساعي الرامية لفرض “وافد جديد” من خارج الصفوف لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة؛ وهو توجه لا يكتفي بتمييع الهوية الحزبية، بل يقوده رئيس جماعة قروية ينتمي حالياً لحزب الأصالة والمعاصرة. والمفارقة هنا أن هذا الشخص كان يشغل سابقاً منصب مفتش لحزب الاستقلال، وترك خلفه انقسامات حادة ما زالت جراحها غائرة، ليعود اليوم محاولاً التحكم في مصير الاستقلاليين عبر دعم مرشح مقرب منه لم يجد له مكاناً في بيته السياسي الأصلي.
هذا المسار يضع حزب “الميزان” أمام مفترق طرق خطير، فتقديم “وافد موسمي” كشروع سياسي بديل يعني ضمناً اختزال الحزب في مجرد “محطة عبور” أو مظلة مؤقتة لمن لا مشروع له. إن السياسة، كما يؤكد جلولي، لا تبنى بالدهاء والمناورات الملتوية أو بإيهام الرأي العام بدعم جهات إدارية، مثمناً في الوقت نفسه حياد مؤسسة العامل وترفعها عن هذه الحسابات الضيقة. إن الإقليم ليس في حاجة لـ “مستوردات سياسية”، فهو يزخر بكفاءات حقيقية من صلب الحزب، كأيت عميرة وإنشادن، ومناضلين غيورين أثبتوا وفاءهم للميدان بعيداً عن منطق الانتفاع المؤقت.
هذا الموقف السياسي الرصين، يضع مصطفى جلولي قيادة الحزب أمام مسؤوليتها الأخلاقية والتنظيمية؛ فإما الاحتكام للمنطق الديمقراطي الداخلي الذي يحترم كرامة المناضلين، وإما المضي في سيناريوهات التفكيك التي ستؤدي لا محالة إلى تصدع غير مسبوق.
إعلان مصطفى جلولي الصريح بالاستعداد لمغادرة الحزب الذي التحق به منذ 2003 وتقديم اعتذار للمناضلين في حال فرض هذا “الوافد”، ليس تهديداً بقدر ما هو موقف مبدئي نابع من حرقة وغيرة على تاريخ الحزب. فالتاريخ، كما حذر، قد يعيد نفسه كمأساة في المرة الأولى، لكن تكراره كمهزلة هو ما يرفض المناضلون الشرفاء أن يكونوا شهود زور عليه.
A.Boutbaoucht













