في المشهد السياسي المغربي، ثمة شخصيات تفرض احترامها ليس فقط من خلال الانتماء الحزبي، بل عبر قدرتها الفذة على قراءة الأزمات بلغة تجمع بين الرصانة الأكاديمية والغيرة الوطنية؛ ويبرز هنا اسم رشيد بوخنفر كواحد من هؤلاء المهندسين الذين يتقنون فن “التواصل الهادئ” في عز العواصف. لقد استطاع بوخنفر، من خلال حضوره القوي، أن يقدم صورة المسؤول اللبق والملم بملفات معقدة، محاولاً بث جرعات من الطمأنينة عبر سردية الأرقام والمنجزات، وهو ما يعكس كاريزما إقناع نابعة من كونه “ابن الميدان” الذي يدرك بعمق جراح الجفاف ومعاناة الفلاح، ومع ذلك يمتلك الشجاعة للوقوف في المنابر الإعلامية ليدافع عن صمود الدولة المغربية.
إن إشادة بوخنفر بـ”الحكامة الجيدة” وقدرة المغرب على تجاوز تداعيات الجائحة والحروب والزلازل، تنم عن روح متفائلة ترى في نصف الكأس المملوء فرصة للبناء، وهو بهذا يمثل الجناح الفكري الذي يحاول إعطاء السياسة وجهاً إنسانياً ومسؤولاً. ومع ذلك، وحين ننتقل من الإشادة بشخص بوخنفر ورؤيته المتزنة إلى تقييم “الأداء الحكومي”، نجد أنفسنا أمام مفارقة تستوجب التوقف؛ فبينما يبرع بوخنفر في استعراض الأرقام الماكرو-اقتصادية المبشرة، من تراجع التضخم إلى تقليص عجز الميزانية، يظل السؤال المعلق في الشارع المغربي: أين أثر هذه الأرقام على المعيش اليومي؟
قد ينجح بوخنفر في إقناعنا تقنياً بأن الاقتصاد الكلي صامد، لكن الحكومة ككيان تنفيذي لا تزال تصارع في كبح جماح الغلاء الذي ينهش القدرة الشرائية، مما يجعل الفجوة تتسع بين “بلاغة الأرقام” و”واقع المواطن”. وبالقدر الذي نشيد فيه بقدرة بوخنفر على تشخيص المكتسبات بذكاء، يبقى على الجهاز الحكومي أن يدرك بأن نجاح أي تجربة لا يُقاس فقط بنسب نمو تتوقعها المؤسسات الدولية، بل بمدى شعور المواطن البسيط بأن هذه “الحكامة” قد تحولت فعلياً إلى عدالة اجتماعية ورخاء ملموس. يبقى رشيد بوخنفر صوتاً عاقلاً في زمن الضجيج، لكن التحدي يظل قائماً أمام الحكومة لترجمة طموح رجالاتها إلى واقع يلمسه الجميع خارج شاشات التلفزة.
A.Bout










