من قواعد الأحزاب إلى قرارات الفوق: كيف أجهضت التزكيات الإسقاطية الديمقراطية الداخلية؟

لم تعد الاستحقاقات البرلمانية في الواقع السياسي الراهن مجرد نقاش نظري حول البرامج والتصورات التنموية، بل أضحت موضوعاً يومياً يتابعه المواطنون بوعي متزايد ودقيق بما يدور في الكواليس السياسية. لقد تحول المشهد الانتخابي إلى مسار كلاسيكي تتكرر فيه نفس الآليات والممارسات التي كرسها واقع احتكار السياسي، حيث برزت فئتان حصرتا التنافس البرلماني في دائرة ضيقة: “ساكنة الانتخابات” و”عائلة الانتخابات”. وفي مقابل هذا الاحتكار، تراجع البحث عن المناضل الحقيقي ابن المنطقة، وتم تهميش الكفاءات القادرة على التشريع والترافع، لصالح تغليب المال والنفوذ كمعيار أساسي للظفر بالمقعد النيابي.

وتتجلى جذرية هذه الأزمة في عمق أزمة الديمقراطية الداخلية للأحزاب، حيث أصبحت التزكيات الفوقية هي الآلية الحاكمة والمحركة للعملية السياسية. تُفرض التزكيات بقرارات إسقاطية مركزية تتجاهل تماماً رغبات القواعد الحزبية والمناضلين المحليين وتُغيب مشاركتهم في صناعة القرار. هذا الإقصاء الممنهج فتح الباب واسعاً أمام ظاهرة “الترحال السياسي”، حيث يغيّر المرشحون ألوانهم الحزبية بحثاً عن تزكية تزكي حضورهم أو تموقعهم الشكلي. وحتى شعار “التشبيب” الذي رفعه المشهد السياسي كعنوان لتجديد الدماء، جرى الانحراف به ليتحول من تشبيب للنخب إلى “تشبيب عائلي”؛ إذ تُستغل التزكيات الفوقية لإدخال الأبناء والأقارب وتمرير النفوذ داخل نفس العائلات في منطق يشبه “سباق التتابع” لتسليم التزكيات والمقاعد. بل إن الأمر امتد لترشيح مسؤولين نافذين وأزواجهم ضمن اللوائح المحلية والجهوية، وسط تسريبات عن ترتيبات كواليسية لإعادة تدوير شخصيات ارتبطت سابقاً بتدبير السياسات المالية والاقتصادية.

إن هذا النمط يفرغ مفهوم التجديد السياسي من جوهره. فالتجديد الحقيقي لا يعني تغيير الألوان الحزبية أو إعادة تدوير نفس الوجوه، بل يتطلب تغيير الممارسات اعتماداً على معيار الاستحقاق والكفاءة؛ إذ يحتاج الوطن إلى عقول قادرة على البناء والتشريع، لا إلى أسماء تتوارث المقاعد بفضل تزكيات فوقية تضمن استدامة المصالح الضيقة.

وفضلاً عن هندسة التزكيات، تحولت الحملة الانتخابية إلى ما يشبه “المقاولة”؛ حيث تراجع التأطير الحزبي وانغلقت المقرات الدائمة ليحل محلها فتح مقرات مؤقتة داخل الأحياء و الاستعانة بسماسرة واستغلال الشباب العاطل لتوزيع المناشير وارتداء القمصان، مما أعدم الارتباط بالقناعة الفكرية والالتزام السياسي. وأمام هذا الواقع، غابت البرامج الانتخابية والرؤية التشريعية لصالح المال السياسي والولائم والعشاوات، واستُغلت حالة الفقر والهشاشة ليتعامل الفاعلون مع الصوت الانتخابي كـ”سلعة موسمية”.

هذه الاختلالات كانت سبباً مباشراً في العزوف الانتخابي الواسع وانسحاب شرائح عريضة من المواطنين نتيجة فقدان الثقة. وتترجم الأرقام هذا الخلل بوضوح: فمن بين حوالي 37 مليون نسمة، وأكثر من 25 مليون مواطن مؤهل قانونياً للتصويت، لا يتدفق نحو اللوائح سوى 17.9 مليون مسجل، بينما لا يشارك فعلياً في الاقتراع سوى نحو 8.7 ملايين ناخب. إن هذه المشاركة الفعلية التي تقارب ثلث المواطنين البالغين فقط مقابل عزوف الثلثين تعكس عمق الأزمة؛ فالرهان الحقيقي لا يتعلق بالحزب المتصدر أو بعدد المقاعد، بل بإعادة الثقة لمحاربة العزوف الذي بات يهدد مشروعية المؤسسات المنتخبة.

وفي هذا السياق، يبرز خطر موقف “التفرج الضمني” واللامبالاة التي يعتمدها بعض المواطنين بالبقاء بعيداً تحت شعار “اتركهم في صراعهم”، لأن السلبية السياسية ذات تكلفة وطنية واستراتيجية باهظة. إن هذا التراجع يتسبب في نشوء “مغرب بسرعتين”: سرعة اقتصادية ودبلوماسية متقدمة تجسدها المشاريع الكبرى والتنموية المتسارعة، مقابل مشهد سياسي بطيء وغارق في صراعات الهيمنة وتوزيع الحقائب والمناصب. هذا التباين يعيق إنتاج برلمان قوي وجريء وحكومة قادرة على تفكيك اقتصاد الريع، وإصلاح منظومة التراخيص، وحماية الاستثمار الشريف، وتعزيز تكافؤ الفرص.

إن بناء دولة الكرامة والمؤسسات يمر حتماً عبر احترام دولة الحق والقانون، وترسيخ ثقافة المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث لا ينتهي دور المواطن بمجرد التصويت، بل يستمر في مساءلة النائب عن تعهداته، وممارسة “التصويت العقابي” ضد كل من يخلف وعده.

 

A.Boutbaoucht

الأخبار ذات الصلة

1 من 1٬335

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *