قال عبد الغني السرار، أستاذ جامعي وعضو في مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات، إن ظاهرة الترحال السياسي والبرلماني في المغرب لم تعد مجرد حالات فردية معزولة، وإنما أصبحت سلوكا يتكرر مع كل استحقاق انتخابي، مشيرا إلى أن جزءا كبيرا منها يرتبط بضعف الثقافة السياسية وغياب التنشئة الحزبية الحقيقية داخل عدد من التنظيمات السياسية.
وأضاف السرار في تصريح صحفي أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في كونها تعكس ضعفا في الالتزام الحزبي، وإنما في تأثيرها المباشر على مفهوم التمثيلية السياسية وعلى العلاقة التعاقدية التي تربط المنتخب بالحزب وبالناخبين الذين منحوه أصواتهم على أساس انتمائه السياسي والبرنامج الذي قدمه.
وأوضح السرار أن المشرع المغربي حاول، منذ سنوات، الحد من هذه الممارسة من خلال مجموعة من المقتضيات القانونية، بدءا من القانون رقم 36.04 المتعلق بالأحزاب السياسية، وصولا إلى الفصل 61 من دستور 2011 والقانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، غير أن التجربة أظهرت أن النص القانوني وحده لا يكفي للقضاء على الظاهرة.
وأضاف أن بعض المنتخبين استطاعوا الالتفاف على روح هذه المقتضيات من خلال الانتقال بين الفرق البرلمانية أو انتظار نهاية الولاية التشريعية لتغيير الانتماء السياسي والبحث عن تزكية جديدة، وهو ما يجعل الإشكال أعمق من مجرد مسألة قانونية، لأنه يرتبط بثقافة الممارسة السياسية ومدى ترسخ قيم الالتزام والمسؤولية داخل النخب الحزبية.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن ما يثير الانتباه مع اقتراب استحقاقات 23 شتنبر 2026 هو إعادة إنتاج الوجوه نفسها داخل أحزاب سياسية مختلفة، معتبرا أن ذلك يكشف عن عسر في دوران النخب السياسية والحزبية، وعن استمرار بعض التنظيمات في الاعتماد على نخب انتخابية جاهزة بدل الاستثمار في تكوين وتأهيل أطر جديدة.
وأضاف أن الجدل الذي اندلع مؤخرا بين حزبين بشأن استقطاب بعض المنتخبين والبرلمانيين يعيد إلى الواجهة سؤالا جوهريا يتعلق بكيفية تدبير التزكيات، ومدى احترام الأحزاب لمبادئ الديمقراطية والشفافية والكفاءة والاستحقاق في اختيار مرشحيها.
وأكد السرار أن تدبير التزكيات يظل أحد المداخل الأساسية لفهم ظاهرة الترحال السياسي، لأن التزكية الحزبية يفترض أن تكون ترجمة لثقة الحزب في كفاءة ونزاهة المرشح وقدرته على تمثيل المواطنين، وليس مجرد آلية لتجميع المرشحين القادرين على ضمان المقاعد الانتخابية.
وأضاف أن استمرار الخلافات التنظيمية داخل عدد من الأحزاب بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية يكشف الحاجة إلى مراجعة عميقة لآليات اختيار المرشحين، بما يضمن اعتماد معايير موضوعية وشفافة، ويحول دون تحول التزكية إلى مجال للمساومات أو تغليب الاعتبارات الشخصية والانتخابية الضيقة على الاعتبارات السياسية والمؤسساتية.












