مع اقتراب موعد الدخول المدرسي، تستعد الأسر المغربية لاستقبال موسم دراسي جديد في محاولة لتهيئة أبنائها نفسياً وتنظيمياً للعودة إلى مقاعد الدراسة بعد أسابيع من العطلة. غير أن هذه الاستعدادات، التي يفترض أن تكون مناسبة لبث الحماس والتفاؤل في نفوس الأطفال، تصطدم بواقع اقتصادي واجتماعي يضع الأسر أمام تحديات متزايدة، في ظل استمرار تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.
فبعد أن استنزفت مصاريف عيد الأضحى والعطلة الصيفية جزءاً مهماً من ميزانيات الأسر، يأتي الدخول المدرسي ليشكّل محطة جديدة للإنفاق الإجباري؛ من كتب ودفاثر ومحافظ وملابس وأحذية ومستلزمات مدرسية، فضلاً عن تكاليف النقل والدروس الإضافية، وهي نفقات يصعب على كثير من الأسر تأجيلها أو الاستغناء عنها.
وهنا يبرز السؤال السياسي والاجتماعي الذي لم يعد بالإمكان تجاهله: إلى متى ستظل الأسرة المغربية تتحمل وحدها فاتورة ارتفاع تكاليف الحياة؟ فالحكومة مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتقديم أجوبة ملموسة حول قدرتها على حماية القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصاً الفئات المتوسطة والمحدودة الدخل؛ إذ ليس من المعقول أن يتحول كل موسم اجتماعي إلى امتحان جديد لميزانية الأسرة، بينما تظل الإجراءات الحكومية – في نظر كثير من المواطنين – دون مستوى حجم الضغوط التي يعيشونها.
ولم تعد عملية اقتناء المستلزمات المدرسية مجرد طقس سنوي يرافق فرحة الطفل بالعودة إلى المدرسة، بل أصبحت لعدد متزايد من الأسر مناسبة لإعادة ترتيب الأولويات والبحث عن البدائل الأرخص، بل واللجوء أحياناً إلى الاستدانة أو تأجيل بعض الحاجيات الأساسية. فالأب الذي كان يخصص ميزانية محددة للدخول المدرسي يجد نفسه أمام أسعار متزايدة ومتطلبات مدرسية متعددة، فيما لا تواكب المداخيل بالضرورة هذا الارتفاع في النفقات، بينما تجد الأم نفسها أمام معادلة صعبة لتوفير حاجيات أبنائها الدراسية كاملة دون إرهاق ميزانية المنزل. إن أخطر ما في هذه الوضعية ليس فقط ارتفاع الكلفة، وإنما تحول الدخول المدرسي من مناسبة تربوية إلى مصدر للقلق الأسري.
ولا يمكن اختزال أزمة الدخول المدرسي في قدرة الأسر على تدبير نفقاتها، لأن جزءاً كبيراً منها يرتبط بالسياسات العمومية وبمدى فعالية الإجراءات المتخذة لضبط الأسعار وحماية المستهلك. فالحكومة التي ترفع شعار دعم الطبقة الوسطى وتحسين ظروف عيش المواطنين مطالبة بأن تجعل القدرة الشرائية في صلب سياساتها، لا أن تكتفي بالتدابير الظرفية كلما اشتد ضغط الأسعار. كما أن إصلاح التعليم لا ينبغي أن ينحصر في تحسين البنيات والمناهج والموارد البشرية، بل يجب أن يمتد أيضاً إلى تخفيف الكلفة التي يتحملها المواطن مقابل تمدرس أبنائه، خصوصاً الأسر التي تكافح من أجل الحفاظ على أبنائها داخل المدرسة وضمان تكافؤ الفرص.
وتكمن المفارقة في أن الطفل المغربي مطالب بالدخول إلى الموسم الدراسي بروح إيجابية وحماس للقاء زملائه واستئناف التعلم، بينما يعيش والداه في الخلفية حسابات دقيقة حول كيفية تدبير المصاريف. وهكذا، يصبح المطلوب من الأسرة أن تخفي قلقها المالي عن أبنائها حتى لا يتحول إلى ضغط نفسي عليهم، في الوقت الذي تجد فيه نفسها أمام فاتورة مدرسية جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من النفقات. إن المدرسة ينبغي أن تكون فضاءً للعلم وتكافؤ الفرص، لا مجالاً لتعميق الفوارق الاجتماعية؛ ولذلك فإن حماية الأسرة من كلفة التمدرس المرتفعة ليست ترفاً اجتماعياً، بل جزء من مسؤولية الدولة في ضمان الحق في التعليم.
الدخول المدرسي مناسبة سنوية، لكن معاناة الأسر مع تكاليفه أصبحت تتكرر كل عام. ولذلك، فإن المطلوب من الحكومة تجاوز منطق التدبير الظرفي نحو سياسة واضحة تخفف العبء عن الأسر، وتضمن مراقبة أفضل للأسعار، وتوسع فعلياً برامج الدعم الاجتماعي، وتوفر شروطاً أكثر إنصافاً للتمدرس. فالأسرة المغربية لا تطلب المستحيل، بل تريد فقط توفير حاجيات أبنائها الدراسية دون التضحية بمصاريف أخرى أو الدخول في دوامة الديون.
فإذا كانت الأسرة تتحمل أعباء العيد والعطلة والدخول المدرسي وارتفاع كلفة المعيشة، فأين هي الإجراءات التي تجعل المواطن يشعر فعلاً بأن قدرته الشرائية تحظى بالأولوية؟
نجاح الدخول المدرسي لا يقاس فقط بعدد التلاميذ الذين يلتحقون بالفصول، بل أيضاً بقدرة الأسر على استقبال هذا الموسم دون خوف من الفاتورة التي تنتظرها في نهاية الشهر؛ فالطفل يحتاج إلى محفظة وكتب، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى أسرة مستقرة لا تستنزف قدرتها الشرائية في أبسط متطلبات الحياة.












