التجارة والصناعة والهجرة ومكافحة الإرهاب.. كيف تحول المغرب إلى شريك لا غنى عنه لإسبانيا؟

يشكل المغرب أحد أبرز الشركاء التجاريين لإسبانيا، في ظل تطور متواصل للعلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين، حيث بلغت قيمة المبادلات التجارية الثنائية نحو 22.757 مليار يورو خلال سنة 2025، وفق معطيات أوردتها وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي».
ويأتي هذا التطور في وقت تعزز فيه الشركات الإسبانية حضورها بالمغرب في عدد من القطاعات، من بينها النسيج والصناعة، بينما لم تعد العلاقات بين الرباط ومدريد تقتصر على المبادلات التجارية، بل أصبحت تشمل مجالات حيوية أخرى، من قبيل اللوجستيك والهجرة والأمن.
وأشارت الوكالة إلى أن التجارة بين البلدين سجلت نمواً «بمعدل مرتفع جداً» خلال العقد الماضي، قبل أن يصبح هذا النمو أكثر اعتدالاً منذ سنة 2018. كما تراجعت الصادرات الإسبانية إلى المغرب بنسبة 4.1 في المائة خلال السنة الماضية، متأثرة بشكل أساسي بانخفاض مبيعات الوقود.
ورغم ذلك، حافظ المغرب على موقعه باعتباره الشريك التجاري الأول لإسبانيا، سواء على مستوى الصادرات أو الواردات. وخلال النصف الأول من سنة 2026، ارتفعت الصادرات الإسبانية نحو المغرب بنسبة 3.5 في المائة، لتصل إلى 6.4205 مليار يورو، وهو ما يمثل 3.2 في المائة من إجمالي الصادرات الإسبانية. وفي المقابل، ارتفعت الواردات الإسبانية من المغرب بنسبة 4.1 في المائة إلى 5.7955 مليار يورو، بما يعادل 2.5 في المائة من إجمالي الواردات.
غير أن أهمية العلاقات المغربية الإسبانية تتجاوز الأرقام التجارية، بالنظر إلى الوزن الاستراتيجي الذي بات يحظى به المغرب بالنسبة إلى إسبانيا وأوروبا، خصوصاً في ملفات الهجرة والأمن والاستقرار الإقليمي.
وقد كشفت الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت سنة 2021 عن حجم الأهمية التي يمثلها المغرب بالنسبة إلى مدريد، بعدما توترت العلاقات إثر استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، للعلاج. وسارعت مدريد لاحقاً إلى إعادة بناء جسور الثقة مع الرباط، مؤكدة أهمية المغرب كشريك أساسي.
وفي هذا السياق، شكل اعتراف حكومة بيدرو سانشيز بمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع حول الصحراء محطة بارزة في مسار تطبيع العلاقات. كما عززت زيارة سانشيز إلى الرباط سنة 2022، ولقاؤه بالملك محمد السادس ومسؤولين مغاربة، مسار فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية.
وتبرز أهمية المغرب أيضاً في موقعه كحلقة وصل استراتيجية بين أوروبا وإفريقيا، وكشريك رئيسي في تدبير قضايا الهجرة والأمن ومواجهة التحديات الإقليمية.
وفي هذا الإطار، أظهرت قضية سبتة حجم التأثير الاقتصادي الذي يمتلكه المغرب على الثغر المحتل، خصوصاً بعد تشديد المراقبة الجمركية والحد من أنشطة التجارة غير الرسمية. وقد انعكست هذه الإجراءات على الحركة التجارية المحلية ومداخيل الميناء، في ظل اعتماد جزء من اقتصاد سبتة على المبادلات مع السوق المغربية.
وبالتوازي مع ذلك، رسخ ميناء طنجة المتوسط موقعه كأحد أبرز المراكز اللوجستية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، مستفيداً من النمو المتواصل في حركة نقل البضائع. وأصبح الميناء يشكل حلقة وصل مهمة بين أوروبا وإفريقيا وسلاسل الإمداد العالمية، فيما أثار توسع نشاطه مخاوف لدى بعض الموانئ الإسبانية بسبب المنافسة المتزايدة في مجالات إعادة الشحن والخدمات اللوجستية.
ولا تقتصر الدينامية المغربية على المجال اللوجستي، بل تمتد أيضاً إلى القطاع الصناعي، وعلى رأسه صناعة السيارات، التي أصبحت أكبر القطاعات التصديرية في المملكة.
ورغم أن التكامل الاقتصادي مع أوروبا، عبر إسبانيا، ساهم في دعم هذا التطور، فإن صعود الصناعة المغربية يعكس في الوقت نفسه جهوداً وطنية متواصلة لبناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على استقطاب كبار المصنعين العالميين وإدماجهم ضمن سلاسل إنتاج وتوريد متطورة.
وقد نجح المغرب خلال السنوات الماضية في تعزيز موقعه كمركز صناعي تنافسي، مستفيداً من موقعه الجغرافي، وبنيته التحتية، ومناطقه الصناعية، وحوافز الاستثمار، فضلاً عن قربه من الأسواق الأوروبية وانفتاحه المتزايد على الأسواق الإفريقية.
كما تضم المنظومة المغربية لصناعة السيارات شركات عالمية كبرى، إلى جانب شبكة متنامية من الموردين المحليين والدوليين، ما يعزز قدرة المملكة على الاضطلاع بدور محوري في سلاسل الإنتاج العالمية.
وبذلك، لا تبدو العلاقة الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا قائمة على علاقة أحادية الاتجاه، وإنما على مصالح متبادلة. فالشركات الأوروبية تستفيد من قرب المغرب من الأسواق الأوروبية، ومن بنيته التحتية ومنظومته الصناعية وتكاليف الإنتاج التنافسية، في حين يستفيد المغرب من هذه الشراكات لتوسيع قدراته التصنيعية واستقطاب الاستثمارات وتعزيز اندماجه في الاقتصاد العالمي.
وفي ظل هذه الدينامية، يتجه المغرب تدريجياً إلى ترسيخ موقعه ليس فقط كوجهة للاستثمارات الأوروبية، وإنما أيضاً كمنصة استراتيجية للإنتاج والخدمات اللوجستية، تتيح للشركات الوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية في آن واحد.
ومن ثم، فإن الأهمية المتزايدة للمغرب بالنسبة إلى إسبانيا وأوروبا لا ترتبط فقط بحجم المبادلات التجارية، بل أيضاً بالدور الذي باتت تلعبه المملكة كقوة صناعية ولوجستية وشريك استراتيجي في المنطقة، وهو ما يجعل العلاقات المغربية الإسبانية قائمة على شبكة واسعة من المصالح المتبادلة، تتجاوز التجارة لتشمل الاقتصاد والأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي.
و في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، فالمغرب يعد شريكاً أمنياً واستراتيجياً مهماً لإسبانيا في مجال مكافحة الإرهاب، بفضل التعاون الوثيق بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في البلدين، خصوصاً في ما يتعلق بتبادل المعلومات وتنسيق العمليات ضد الشبكات المتطرفة.
ويستند هذا التعاون إلى اتفاقية أمنية تشمل مكافحة الإرهاب وتمويله، إلى جانب تبادل المعطيات حول التنظيمات المتطرفة وطرق عملها، وتنفيذ عمليات منسقة لملاحقة المشتبه في ارتباطهم بالأنشطة الإرهابية.
وأكدت السلطات الإسبانية في مناسبات عدة أن التعاون مع المغرب ساهم في تفكيك خلايا إرهابية وشبكات لتجنيد وإرسال مقاتلين إلى مناطق النزاع، كما وصفت مدريد التعاون الأمني بين البلدين بأنه وثيق ومستمر.
وتكتسب أهمية المغرب بالنسبة لإسبانيا بعداً إضافياً بالنظر إلى موقع المملكة الجغرافي وقربها من أوروبا، ما يجعل التنسيق بين البلدين عاملاً أساسياً في رصد التهديدات العابرة للحدود ومواجهة التطرف والإرهاب في غرب المتوسط ومنطقة الساحل.
وبذلك، أصبح التعاون المغربي الإسباني في المجال الأمني أحد أبرز ركائز العلاقات الثنائية، إذ لا يقتصر على تبادل المعلومات، بل يشمل أيضاً التنسيق العملياتي والتكوين والخبرة الأمنية، بما يعزز قدرة البلدين على الاستباق والتصدي للتهديدات الإرهابية.

الأخبار ذات الصلة

1 من 469

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *