يعاني النقاش السياسي اليومي لدى شرائح واسعة من المواطنين من ضبابية مفهومية تتجلى في الخلط المتكرر بين اختصاصات السلطة التشريعية ممثلة في البرلمان، وبين الأدوار المنوطة بالسلطة التنفيذية والجماعات الترابية بمختلف مستوياتها. ينعكس هذا التداخل غالباً في انتظارات غير واقعية من الناخبين تجاه النائب البرلماني، حيث يُطلب منه أداء أدوار تنموية وتنفيذية مباشرة كترميم الطرق، وتوفير إنارة الشوارع، أو إدارة الخدمات الإدارية اليومية، وهي في أصلها مهام أصيلة للمجالس المنتخبة محلياً وجهوياً أو للقطاعات الحكومية المعنية.
إن فهم الحدود الفاصلة بين التشريع والتنفيذ يعد مدخلاً أساسياً لممارسة المواطنة الفاعلة، والتقييم الموضوعي لأداء المؤسسات الدستورية وفق ما نُصّ عليه في القوانين التنظيمية والدساتير الحديثة.
يتحدد دور البرلماني في إطار دولة القانون والمؤسسات عبر وظائف جوهرية تتوزع بين التشريع والرقابة والتمثيل. ففي الشق التشريعي، يشارك البرلماني بشكل مباشر في مناقشة مشاريع ومقترحات القوانين والتصويت عليها لتصبح نصوصاً ملزمة، كما يتولى دراسة قانون المالية السنوي والتصويت عليه لمراقبة التوازنات المالية وتوجيه الإنفاق العام. ويتم جزء أساسي من هذا العمل داخل اللجان البرلمانية الدائمة التي تدرس الملفات ومشاريع القوانين بتعمق. وفي شق الرقابة، يمارس البرلماني حق مساءلة الوزراء عبر الأسئلة الشفوية والكتابية ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية، فضلاً عن المشاركة في لجان تقصي الحقائق واللجان الاستطلاعية التي تقف على الاختلالات ومراقبة تسيير المرافق العامة. أما على مستوى التمثيل والتواصل، فيعمل البرلماني على نقل مطالب ومشاكل السكان والدفاع عن مصالحهم، إلى جانب تمثيل الدولة في المحافل الدولية في إطار الدبلوماسية البرلمانية للدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى.
مقابل هذه المهام، تقع مسؤولية تنفيذ المشاريع وتدبير الخدمات على عاتق الجهاز التنفيذي والمجالس الترابية؛ فالحكومة والوزارات تتولى رسم السياسات العمومية القطاعية وتنفيذ المشاريع الكبرى وإدارة المرفق العام، بينما تختص الجماعات والمجالس الإقليمية والجهوية بالتخطيط الترابي المحلي، وتهيئة البنيات التحتية، وبرمجة الميزانيات التنموية للجهات والمدن.
من المهم التأكيد على أن البرلماني ليس مسؤولاً عن تنفيذ المشاريع ولا برمجة الميزانيات ولا إدارة الإدارات والمؤسسات العمومية، إذ يتوقف دوره الأساسي عند التشريع والرقابة، والترافع عن قضايا الساكنة، ولعب دور الوساطة المؤسساتية بين المواطن والإدارات لتسهيل الإجراءات وحمل الملفات التي تهم المصلحة العامة.
ينشأ الخلط في تمثل مهام البرلماني من عوامل متعددة يتداخل فيها الثقافي بالاجتماعي، حيث يدفع نمط التنافس الانتخابي أحياناً إلى تقديم وعود تنموية لا تدخل ضمن الصلاحيات الدستورية للنائب، مما يكرس ثقافة “النائب الخدومي” على حساب دوره الأصيل في التشريع والرقابة. يؤدي هذا التداخل إلى تشتيت جهود النائب في وساطات فردية وإجراءات إدارية يومية على حساب جودة الأداء التشريعي، كما يُغيّب المعايير الحقيقية للمحاسبة الموضوعية المبنية على مدى فاعلية النائب في الرقابة ومناقشة القوانين.
ترسيخ الثقافة الدستورية والتوزيع الواضح للمهام هو الخطوة الأولى لتطوير العمل المؤسساتي، حيث يركز البرلماني على التشريع والرقابة، وتضطلع المجالس الترابية بالتنمية المحلية، وتتحمل الحكومة مسؤولية تنفيذ السياسات أمام ممثلي الشعب.
A.Bout












