في خطوة حازمة لإنهاء حالة البلوكاج التي ترافق ملف تحرير الملك العمومي وتنظيم التجارة غير المهيكلة، وجهت وزارة الداخلية استفسارات شديدة اللهجة إلى عدد من رجال السلطة، بمختلف رتبهم من باشوات ورؤساء دوائر وقواد، بخصوص الأسباب الحقيقية وراء تأخر ترحيل الباعة الجائلين إلى الأسواق النموذجية التي أُنجزت منذ سنوات بتمويلات عمومية ضخمة وظلت مغلقة أو مهجورة دون استغلال.
ولم تكتف المصالح المركزية لوزارة الداخلية بالتوضيحات الشفوية التي قدمها رجال السلطة بعد استدعائهم إلى مقر العمالات لتقديم إفادات مباشرة، بل طالبتهم برفع تقارير مكتوبة ومفصلة تخص كل سوق نموذجي على حدة، تتضمن تشخيصاً دقيقاً لوضعيته والأسباب الواقعية التي حالت دون افتتاحه. وقد تركزت أبرز التبريرات المقدمة من طرف المسؤولين الترابيين حول صعوبة إعداد وتدقيق اللوائح النهائية للمستفيدين، وكثرة المطالب وتضارب المصالح بين مختلف الأطراف المتدخلة من جمعيات وتجار وباعة جائلين، فضلاً عن التوجس من اندلاع احتجاجات اجتماعية قد ترافق عمليات الإخلاء والترحيل.
وتأتي هذه التحركات الإدارية بناءً على تقارير سوداء أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية، والتي سجلت تعثر افتتاح عدد كبير من الأسواق رغم التمويلات الضخمة المخصصة لها، لاسيما المشاريع المنجزة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH). ومن المنتظر إطلاق أبحاث إدارية دقيقة خلال الأسابيع المقبلة، قد تفضي إلى محاسبة وإقالة مسؤولين، في ظل وجود شبهات قوية حيال التلاعب في تمويل وتوزيع المحلات، وجود تواطؤ بين بعض الجمعيات ومسؤولين ترابيين، إضافة إلى عجز بعض رؤساء أقسام العمل الاجتماعي عن تبرير عدم إنجاز مشاريع رغم صرف ميزانياتها بالكامل، وهو ما زاد من تفاقمه ضعف المراقبة الميدانية واقتصار التدقيق في السنوات الماضية على عدد محدود من الأسواق مقارنة بآلاف المشاريع الممولة.
وفي إطار تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، شملت المساءلة أيضاً المسؤولين الترابيين الجدد من رؤساء ملحقات ودوائر، والذين ورثوا هذه الملفات الشائكة عن أسلافهم، حيث أكدت المصالح المركزية على مسؤوليتهم القانونية والإدارية في تتبع هذه الملفات وتقديم حصيلة دقيقة عنها والعمل على معالجتها، بغض النظر عن كون التجاوزات تعود لمرحلة سابقيهم.
ومن المرتقب رفع هذه التقارير المفصلة إلى وزارة الداخلية خلال الأسابيع القليلة القادمة لتحليلها واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة في حق كل من تثبت مسؤوليته عن هذا التعثر. ويبقى الهدف النهائي لهذه الدينامية هو إنقاذ مشاريع الأسواق النموذجية وحماية المال العام من الهدر، عبر تسريع تشغيلها بمختلف جهات المملكة، بالتوازي مع تسريع حملات تحرير الملك العمومي، محاربة الأسواق العشوائية، وإدماج الباعة الجائلين في منظومة اقتصادية منظمة.











