حين تُطمس الإشارات… تُفتح أبواب الفوضى بمدينة أيت ملول، عبارة لم تعد مجازاً بقدر ما أصبحت وصفاً دقيقاً لوضع يثير القلق ويطرح أكثر من علامة استفهام. ففي الوقت الذي علّق فيه المواطنون آمالاً على اجتماع لجنة السير والجولان المختلطة المنعقد أمس الخميس 23 أبريل 2026، برئاسة نائب رئيس المجلس الجماعي، وبحضور ممثلي الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية والأجهزة الأمنية والسلطات المحلية، برزت إلى الواجهة قضية تتجاوز حدود التدبير التقني لتلامس جوهر الإحساس بالأمن داخل الفضاء الحضري.
الاجتماع خُصص لدراسة شكايات المواطنين واقتراح حلول كفيلة بتحسين شروط السير وتعزيز السلامة الطرقية، غير أن واقع الحال في شارع المغرب العربي، أحد أهم المحاور الحيوية بالمدينة، يكشف عن اختلالات لا يمكن التغاضي عنها. فبمجرد المرور عبر هذا الشارع، يتضح حجم الخلل من خلال علامة تشوير مطموسة عمداً بواسطة الصباغة، بما يجعلها غير قابلة للقراءة أو الاستدلال. هذا الوضع لا يمكن اعتباره مجرد إهمال عابر، بل يفتح الباب أمام فرضيات مقلقة تتعلق بوجود تدخلات تخدم مصالح ضيقة على حساب الصالح العام.
طمس إشارات من قبيل “ممنوع مرور الشاحنات” لا يعني فقط تعطيلها، بل يُفرغها من مضمونها القانوني، ويحوّلها إلى مجرد أثر بلا وظيفة، وهو ما يسمح بمرور شاحنات ثقيلة داخل أحياء سكنية يُفترض أن تكون محمية بهذه العلامات. وهنا تتحول الشوارع الداخلية إلى ممرات مفتوحة أمام عربات ضخمة لا تتناسب مع طبيعة المجال، في مشهد يهدد التوازن الحضري ويؤثر بشكل مباشر على جودة عيش السكان.
انعكاسات هذا الوضع لم تعد خفية، إذ باتت سلامة الراجلين، خاصة الأطفال، مهددة داخل أحياء مكتظة تفتقر أصلاً إلى البنية التحتية المناسبة لهذا النوع من المركبات. كما تعرف الطرقات الداخلية تدهوراً متسارعاً نتيجة الضغط المتكرر للأوزان الثقيلة، إضافة إلى الإزعاج المستمر الذي تسببه حركة الشاحنات وضجيجها، ما يفقد الساكنة الإحساس بالطمأنينة داخل محيطها السكني.
أمام هذه المعطيات، يبرز ملف شارع المغرب العربي كأحد أبرز الاختبارات الحقيقية لمدى جدية التدخلات المعلنة. فالسكان لم يعودوا يكتفون بتشخيص الوضع، بل يطالبون بإجراءات ملموسة وفورية، من قبيل إطلاق حملات ميدانية لإصلاح علامات التشوير المتضررة، وتعزيز المراقبة الأمنية لردع المخالفين، إلى جانب التفكير في حلول وقائية أكثر صرامة، كإقامة حواجز مادية في النقاط الحساسة لمنع مرور الشاحنات بشكل نهائي.
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بإعادة طلاء علامة طرقية أو تثبيت إشارة جديدة، بل باستعادة هيبة القانون داخل الفضاء العمومي. فحين تُطمس الإشارات، لا تُمحى فقط دلالاتها التنظيمية، بل يُفتح الباب أمام فوضى قد تتحول إلى خطر يومي يهدد سلامة المواطنين. وفي هذا السياق، يبقى السؤال معلقاً: هل تتحول توصيات لجنة السير والجولان إلى قرارات حازمة تعيد الأمور إلى نصابها، أم أن الوضع سيستمر على حاله في انتظار ما لا يُحمد عقباه؟










