في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام الأحكام القضائية وهيبة الدولة، ما يزال بعض الأطراف في ملف القسمة العقارية المتعلق بأرض بدوار “التاشت”بني سدات بالموضع المسمى “تكانت” بجماعة اساكن، التابعة لقيادة كتامة بإقليم الحسيمة، يواصلون استغلال العقار موضوع النزاع وحرثه والتصرف فيه في تحدٍّ صارخ للمساطر الجارية، ضاربين عرض الحائط حكماً قضائياً قطعياً صادراً باسم جلالة الملك وطبقاً للقانون. القضية التي عمرت داخل أروقة المحكمة الابتدائية لأشهر طويلة، شهدت مساراً إجرائياً دقيقاً انطلق منذ ماي 2025، حين تقدّم المدعي سعيد العبدلاوي بدعوى للخروج من حالة الشياع ضد بقية الورثة، مطالباً بإنهاء وضعية ترهن عقاراً يمتد على مساحات شاسعة تناهز 154 ألف متر مربع للقطعة الأولى و32 ألف متر مربع للثانية، وهي أملاك آلت للورثة عن طريق الإرث وتضم دوراً سكنية قديمة.
المحكمة، وتكريساً لروح الإنصاف، لم تتسرع في البت، بل أمرت بإنجاز خبرة قضائية دقيقة عهدت بها إلى الخبير طارق المفتوحي، الذي أعد مشروع قسمة عينية بعد معاينات ميدانية مضنية، استوجبت من المحكمة رفع أتعاب الخبرة من 6000 درهم إلى 10000 درهم بالنظر لتعقيد المهمة، خاصة مع ضرورة التأكد من عدم تداخل العقار مع نطاق الملك الغابوي. وبعد استنفاذ كافة الدفوعات والمرافعات، توج المسار بصدور الحكم القطعي رقم 239 بتاريخ 31 دجنبر 2025، والذي قضى بالمصادقة على تقرير الخبرة وتمكين كل وارث من نصيبه مفرزاً، مع إلزام المستفيدين من نصيب يفوق حصتهم بأداء “معدل القسمة” نقداً لباقي الورثة جبرًا للضرر وتحقيقاً للعدالة التوزيعية.
غير أن الواقع الميداني اليوم يكشف عن فجوة عميقة بين منطوق الحكم وممارسات بعض المحكوم عليهم، الذين لم يكتفوا بعدم الامتثال، بل استمروا في حرث الأرض واستغلال ثمارها دون سند قانوني، في سلوك يرقى إلى مستوى التمرد على المؤسسة القضائية ويفتح الباب أمام مساءلات قانونية وجنائية جديدة، خاصة إذا ثبت تغيير معالم العقار أو تبديد محاصيله بعد صدور حكم نهائي.
إن هذا الوضع يبعث رسالة سلبية للمواطن الذي انتظر شهوراً خلف أبواب المحاكم ودفع مصاريف الخبرات والتقاضي، ليجد نفسه في النهاية أمام خصوم يفرضون سياسة الأمر الواقع، مما يحول الأحكام القضائية إلى مجرد حبر على ورق ويقوض الثقة في صيانة الأمن العقاري.
أمام هذا التحدي السافر، يجد المتضررون أنفسهم مضطرين لمناشدة النيابة العامة والسلطات المحلية ومصالح التنفيذ القضائي للتدخل العاجل والحازم لفرض هيبة الدولة ومنع استمرار هذا الاستغلال التعسفي.
إن إنصاف ورثة العبدلاوي وتنزيل الحكم رقم 239 على أرض الواقع ليس مجرد مطلب خاص، بل هو واجب وطني لضمان عدم تحول النزاعات العقارية إلى بؤر للتوتر الاجتماعي، وللتأكيد على أن الأحكام القضائية في المملكة المغربية لا تصدر لتُعلّق كزينة على الجدران، بل لتكون عنواناً للحقيقة ومنطلقاً لاسترجاع الحقوق لأصحابها بقوة القانون.











