يعيش القطاع الصحي بجهة سوس ماسة على وقع تحديات متراكمة تكشف عن اختلالات بنيوية عميقة، تجعل من الولوج إلى خدمات صحية لائقة رهاناً يومياً لآلاف المواطنين، خاصة في العالم القروي والمناطق النائية. فرغم المجهودات المبذولة على مستوى إحداث مؤسسات صحية جديدة، إلا أن الواقع الميداني لا يزال يطرح تساؤلات ملحة حول نجاعة المنظومة وقدرتها على الاستجابة للحاجيات المتزايدة؛ حيث يبرز الخصاص الحاد في الموارد البشرية كأحد أكبر العوائق، إذ يظل عدد الأطباء والممرضين دون المتطلبات الفعلية، ما يؤدي إلى إنهاك الأطر المتوفرة ويؤثر بشكل مباشر على جودة الخدمات المقدمة، ويزداد هذا الوضع تعقيداً في المناطق القروية التي تعاني من ضعف جاذبيتها المهنية، مما يفاقم معاناة الساكنة التي تضطر غالباً للتنقل لمسافات طويلة بحثاً عن العلاج.
وفي هذا السياق، يشكل الضغط الكبير على المؤسسات الاستشفائية، وعلى رأسها المستشفى الجهوي الحسن الثاني بأكادير، تجسيداً حقيقياً لهذه الأزمة، حيث يعرف هذا المرفق الحيوي اكتظاظاً مستمراً ونقصاً في التجهيزات، ما ينعكس سلباً على ظروف الاستقبال وجودة العلاجات، كما أن التفاوت في مستوى الخدمات بين مختلف المراكز يدفع المرضى نحو الحواضر الكبرى، وهو ما يعمق الفوارق المجالية في الحق في الصحة. ولا تتوقف الإشكالات عند حدود الإمكانيات البشرية واللوجستية، بل تمتد إلى طبيعة التدبير الداخلي للقطاع، الذي يشهد أحياناً صراعات نقابية وإدارية تعيق السير العادي للمرافق، وقد ساهمت هذه التوترات في إقحام الحسابات السياسية وتصفية الخلافات الشخصية، مما أضر بالمصلحة العامة، وزاد من تعقيد الوضع ضعف قدرة بعض المديرين المتعاقبين على مواجهة “لوبيات الفساد”، حيث تتحول محاولات فرض الانضباط وتطبيق القانون إلى مواجهات مفتوحة يتم الرد عليها بافتعال أزمات أو احتجاجات للضغط على الإدارة.
علاوة على ذلك، تبرز مسألة التسيب داخل بعض المؤسسات، وتوجيه المرضى نحو المصحات الخاصة، جنباً إلى جنب مع فوضى تدخل بعض الوسطاء في مجال المعدات الطبية وعلاقاتهم المشبوهة، وهي تحديات تمس بمصداقية القطاع وتكرس فقدان الثقة لدى المواطن. وفي خضم هذه التحديات، يأتي تعيين الجنرال دو بريغاد طارق الحارثي مديراً عاماً للمجموعة الصحية الترابية لجهة سوس ماسة كخطوة تحمل رهانات كبرى لإعادة ترتيب البيت الداخلي، حيث تنتظره ملفات حارقة تبدأ بتعزيز الحكامة الجيدة وفرض الانضباط الإداري، مستفيداً من خبرته القيادية للحد من مظاهر الفوضى والتصدي بحزم لمثيري المشاكل ولوبيات الفساد، مع العمل على تحقيق توزيع عادل للموارد البشرية وتحفيز الأطر للعمل في المناطق النائية.
إن إنجاح هذه المرحلة يقتضي أيضاً تنزيلاً دقيقاً لورش الإصلاح الوطني للصحة، وتحديداً نموذج المجموعات الصحية الترابية بما يوفره من مقاربة تقوم على القرب والفعالية، مع ضرورة التنسيق مع مختلف الفاعلين المحليين لدعم المنظومة. وفي المحصلة، يظل الوضع الصحي بالجهة رهيناً بإصلاحات عميقة وشجاعة قادرة على معالجة الاختلالات البنيوية، ويُرتقب أن يشكل هذا التعيين الجديد فرصة لإرساء حكامة حديثة تجمع بين الصرامة والانفتاح، بما يضمن خدمات صحية أكثر عدلاً وفعالية ويعيد الثقة للمواطن في المرفق العمومي الصحي.
A.Bout











