في مشهد أثار الكثير من التعليقات والاستياء، شهد أحد الأنشطة الرسمية بالجهة واقعة وُصفت بالطريفة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالة في مضمونها. فبينما كان أحد المواطنين يحاول مصافحة برلماني معروف بالمنطقة، فوجئ بردّ فعل غير متوقع، إذ صرخ هذا الأخير في وجهه قائلاً: “لا تزعجني الآن… موعدنا أيام الحملة الانتخابية”.
عبارة قصيرة، لكنها تختزل تصوّراً كاملاً للعلاقة بين المنتخب والناخب؛ علاقة موسمية، تُفعَّل عند اقتراب الاستحقاقات، وتُجمَّد طيلة سنوات الولاية. وهو سلوك يطرح أكثر من سؤال حول معنى التمثيلية السياسية، وحدود المسؤولية الأخلاقية للمنتخب تجاه من صوّتوا له أو من يمثلهم دستورياً.
ينص دستور المملكة المغربية في فصله الثاني على أن السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها. كما يؤكد الفصل 60 أن البرلمان يتكون من مجلسين يمثلان الأمة. هذه المقتضيات تجعل من النائب البرلماني ممثلاً لجميع المواطنين، لا لفئة محددة، ولا لمرحلة زمنية مرتبطة بالحملات الانتخابية فقط.
كما يحدد القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب شروط ممارسة المهام البرلمانية، ضمن تصور يقوم على خدمة الصالح العام والقيام بالمهام الرقابية والتشريعية والتواصل مع المواطنين. فالتفويض الانتخابي ليس امتيازاً اجتماعياً، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية تقتضي القرب الدائم من المواطنين والاستماع لانشغالاتهم.
الواقعة المذكورة، وإن بدت عابرة، تعكس إشكالية أعمق ترتبط بثقافة انتخابية ما تزال لدى بعض الفاعلين تُختزل في لحظة التصويت. فحين يُؤجَّل التواصل إلى “أيام الحملة”، يصبح المواطن مجرد رقم انتخابي، لا شريكاً في صناعة القرار ولا طرفاً في مراقبة الأداء.
وتزداد حساسية الأمر حين يتعلق ببرلماني عُمر طويلاً في المشهد السياسي دون أن تُسجل له منجزات بارزة على مستوى التنمية أو الترافع عن قضايا الجهة، وفق ما يردده متابعون للشأن المحلي. وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول معايير تقييم الأداء البرلماني، وضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص على ذلك الفصل الأول من الدستور.
إن مثل هذه السلوكات، سواء كانت بدافع ضغط اللحظة أو تعبيراً عن قناعة، تحمل رسالة غير مباشرة إلى الساكنة: الاختيار الانتخابي ليس مجرد تصويت عابر، بل قرار يحدد طبيعة العلاقة مع من سيمثلهم لخمس سنوات. والتجارب المتكررة تؤكد أن بعض النماذج التي تحافظ على مواقعها لا تفعل ذلك بالضرورة عبر حصيلة عمل واضحة، بل أحياناً عبر شبكات مصالح أو دعم ظرفي مقابل اعتبارات مادية أو انتخابية ضيقة.
لذلك، فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن الناخب يمتلك سلطة حقيقية يوم الاقتراع، وأن تجديد النخب أو مساءلتها يمر عبر وعي انتخابي يضع الكفاءة والالتزام في مقدمة المعايير. فالمصافحة التي تُرفض اليوم قد تتحول غداً إلى ورقة تصويت تعيد ترتيب المشهد برمته.
السياسة ليست موسماً، والتمثيل ليس موعداً مؤجلاً إلى الحملة الانتخابية. إنها التزام يومي، يبدأ باحترام المواطن… ولا ينتهي إلا بانتهاء التفويض.
A.Bout












