أبحاث إدارية تكشف اختلالات تنفيذ المقررات الجماعية بعدد من الجماعات الترابية

تشهد عدد من الجماعات الترابية عبر مختلف الأقاليم والجهات حالة غير مسبوقة من تراكم المقررات الجماعية التي ظلت حبيسة الرفوف دون تنزيل فعلي على أرض الواقع، في وضع بات يثير قلق السلطات الوصية ويطرح علامات استفهام حول نجاعة التدبير المحلي وفعالية المجالس المنتخبة في تنفيذ التزاماتها تجاه الساكنة.

وفي هذا السياق، أفادت مصادر مطلعة بأن مصالح المديرية العامة للجماعات الترابية باشرت أبحاثاً إدارية موسعة للوقوف على أسباب تفاقم أزمة “المقررات مع وقف التنفيذ”، بعد توصل الإدارة المركزية بتقارير تشير إلى تصاعد وتيرة المصادقة على قرارات خلال الدورات العادية والاستثنائية للمجالس، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.

وبحسب المعطيات ذاتها، فإن بعض رؤساء الجماعات يعمدون إلى تمرير عدد كبير من المقررات دون تتبع مسارها القانوني والإداري، في مخالفة لمقتضيات القوانين التنظيمية التي تلزمهم بالسهر على تنفيذها، في وقت تعزى فيه اختلالات أخرى إلى ضعف الموارد البشرية وقلة التنسيق بين المنتخبين والإدارة الجماعية والمصالح الخارجية.

وكشفت الشكايات الواردة من موظفين بأقسام ومصالح الجماعات عن صعوبات متزايدة في معالجة الكم الكبير من الوثائق والقرارات المصادق عليها، خاصة أن نسبة محدودة فقط من هذه المقررات تصل إلى مرحلة النشر أو الاستكمال القانوني، إذ لا يتجاوز ما يُنشر منها 15 في المائة من إجمالي الوثائق والمحاضر المتخذة خلال الدورات.

ورصدت المصالح المركزية تباطؤاً واضحاً في إعداد الملفات التقنية والإدارية المرافقة للمقررات، من وثائق ونصوص مرجعية، قصد إحالتها على مسطرة التأشير النهائي، وهو ما يعطل دخولها حيز التنفيذ. ويزداد الوضع تعقيداً في ظل الخصاص المتفاقم في الموارد البشرية نتيجة الإحالة على التقاعد أو الإلحاق بمصالح أخرى، ما يضع ضغطاً كبيراً على عدد محدود من الموظفين.

وينص القانون التنظيمي رقم 14-113، وتحديداً المادة 118، على أن مقررات المجلس لا تصبح قابلة للتنفيذ إلا بعد التأشير عليها من طرف عامل العمالة أو الإقليم داخل أجل 20 يوماً من تاريخ التوصل بها، خاصة تلك المتعلقة ببرنامج عمل الجماعة والميزانية أو التي يترتب عنها أثر مالي على النفقات أو المداخيل. غير أن تعثر هذه المسطرة في مراحلها الأولى يؤدي عملياً إلى تجميد عشرات القرارات ذات الطابع التنموي والاجتماعي.

كما سجلت التحقيقات الإدارية لجوء بعض المسؤولين، خصوصاً في الجماعات الكبرى، إلى وسائل غير مؤسساتية لتسريع معالجة المقررات المستعجلة، من خلال تكثيف الاتصالات واستعمال العلاقات الإدارية والضغط على الموظفين القلائل المتوفرين، في محاولة لتدارك التأخر، وهو ما يعكس حجم الضغط والاختلالات البنيوية داخل الإدارة الجماعية.

ويرى متتبعون أن استمرار هذا الوضع يفرغ دورات المجالس من مضمونها، ويحول المقررات إلى مجرد وثائق شكلية لا أثر لها على حياة المواطنين، في وقت يفترض أن تكون هذه القرارات أداة أساسية لتنزيل المشاريع وتحسين الخدمات الأساسية.

وتبقى هذه الأبحاث الإدارية خطوة ضرورية لتشخيص مكامن الخلل وإعادة الاعتبار لمنطق النجاعة والالتزام داخل الجماعات الترابية، حتى لا تتحول القرارات المنتخبة إلى وعود معلقة، وتظل انتظارات الساكنة رهينة بطء المساطر وضعف الحكامة.

الأخبار ذات الصلة

1 من 1٬187

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *