في دورية جديدة.. رئاسة النيابة العامة تحث على ترشيد الاعتقال الاحتياطي وتفعيل البدائل.

حثت رئاسة النيابة العامة على ضرورة إرساء مقاربة قانونية وحقوقية صارمة في مرحلة استنطاق المشتبه فيهم المقدمين أمامها، عبر ضمان التوازن بين حماية حقوق الأفراد وصون حقوق الضحايا والمجتمع، مع ترشيد اللجوء إلى الإجراءات السالبة للحرية واعتماد بدائل المتابعة كلما توفرت شروطها.

ودعت دورية موجهة إلى المحامي العام الأول لدى محكمة النقض، والوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف، ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، حول موضوع “ضوابط استنطاق الأشخاص المقدمين أمام النيابة العامة”، إلى استحضار عدة أبعاد ذات حمولة قانونية وحقوقية تطبع مرحلة استنطاق الأشخاص المقدمين المشتبه فيهم.

وأوضحت أن الأمر يقتضي من قاضي النيابة العامة أن يعمل على دراسة المحاضر المحالة عليه بشكل متأنٍّ، وإعطاء تكييف سليم للوقائع التي تتضمنها تلك المحاضر، مع الحرص على تحقيق الموازنة بين كفالة الحقوق المخولة للمشتبه فيهم من جهة، وحقوق الضحايا والمجتمع من جهة أخرى.

وذكرت بأن رئاسة النيابة العامة سبق أن حثت، سواء من خلال ما أصدرته من دوريات ودلائل عملية في الموضوع، أو من خلال التوجيهات الصادرة عنها في إطار اللقاءات والاجتماعات التأطيرية، على وجوب إيلاء العناية اللازمة لوضعية الأشخاص المقدمين أمام النيابات العامة، وضمان استفادتهم من الحقوق المكفولة لهم قانونا، فضلا عن وجوب اتخاذ الإجراء القانوني المناسب في حقهم، وترشيد الإجراءات الماسة بالحرية، والحرص على عدم اللجوء إليها إلا في الحالات الضرورية التي تستوجب ذلك.

وشددت على أن ضمان تدبير وضعية الأشخاص المقدمين وفقا لما يفرضه التطبيق السليم للقانون، يقتضي، بالإضافة إلى الاستمرار في تفعيل التوجيهات السابقة الموجهة في الموضوع، وجوب استحضار الضوابط القانونية المؤطرة لاستنطاق المشتبه فيهم.

وذكرت بهذا الصدد الحق في التزام الصمت والحق في الإشعار بالتهمة المنسوبة إلى المشتبه فيه وإشعار عائلته والحق في الاتصال بمحام، فضلا عن التأكد من سلامة المحاضر المنجزة ومن ظروف الإيقاف والوضع رهن الحراسة النظرية أو الاحتفاظ (بالنسبة للأحداث) بحسب الأحوال والتي يجب أن تتم في احترام تام للمقتضيات القانونية الجديدة (المادة 1-66 من قانون المسطرة الجنائية)، وأن تكون مؤسسة على أسباب يجب التأكد من تحققها.

ولفتت الدورية إلى وجوب اتسام سلوك قاضي النيابة العامة في هذا الإطار بالمهنية والتعامل الإنساني مع أطراف القضية موضوع التقديم عند استنطاق المشتبه فيه حول الأفعال المنسوبة إليه بعد التأكد من هويته وإشعاره بحقه في تنصيب محام، والاستعانة بترجمان أو بشخص يحسن التخاطب معه.

وأكد المصدر ذاته ضرورة تحرير محاضر للاستنطاق تتوفر فيها جميع الشكليات المحددة قانونا، مع الحرص على أن تتضمن فقرات خاصة بتعليل القرار المتخذ لا سيما عندما يتعلق الأمر بإقرار المتابعة في حالة اعتقال، إضافة إلى التقيد بالتوجيهات السابقة في الموضوع الواردة في الدورية عدد 19/ر.ن.ع/س/2023 الصادرة بتاريخ 04 أغسطس 2023.

وذكرت أيضا بوجوب إعمال الفحص الطبي في الحالات التي يقتضيها الأمر ووفقا للضوابط القانونية المحددة في المادتين 73 و1-74 من قانون المسطرة الجنائية، في استحضار تام للتوجيهات الواردة في الدورية عدد 30/ر.ن.ع/س/ق5/2025 الصادرة عن هذه الرئاسة بتاريخ 15 ديسمبر 2025.

وحثت رئاسة النيابة العامة على اتخاذ القرار المناسب في مواجهة المشتبه فيه تبعا لظروف القضية وشخصية المتهم ومدى خطورته، ووقع الجريمة على المجتمع وما نتج عنها من أضرار، مع التزام قاضي النيابة العامة بإعمال بدائل الدعوى العمومية، لا سيما الصلح الزجري الذي أضحى من الممكن تفعيله بصفة تلقائية أو من خلال تكليف وسيط لاقتراحه والسعي إلى إبرامه بين الأطراف.

ولفتت أيضا إلى ضرورة استحضار قرينة البراءة والطابع الاستثنائي للاعتقال الاحتياطي، ما يجعل من مرحلة الاستنطاق آلية أساسية لتفعيل البدائل التي تم تعزيزها بمقتضى التعديلات المدخلة على قانون المسطرة الجنائية، بما في ذلك إمكانية إخضاع المتهم لتدبير واحد أو أكثر من تدابير المراقبة القضائية المحددة في المادة 161 وما يليها من قانون المسطرة الجنائية.

ودعت الدورية أيضا إلى تبني قواعد التدبير الجيد لعملية تقديم المشتبه فيهم أمام النيابة العامة، مبرزة أن ضمان نجاعة هذه العمليات ومطابقتها للقانون يقتضي الالتزام بقواعد التدبير المعقلن وتفعيل مبادئ الحكامة خلال مرحلة التقديم التي تتداخل فيها عدة عوامل بشرية وتنظيمية يتعين مراعاتها.

ومن بين هذه العوامل، يضيف المصدر ذاته، ترشيد التقديم في حالة سراح، والإذن بالوضع رهن الحراسة النظرية، زيادة على إعمال الآليات القانونية المتاحة لتخفيف الضغط على مكاتب التقديم بالمحاكم، من خلال تفعيل أحكام المادة 1-384 من قانون المسطرة الجنائية التي تتيح لوكلاء الملك ونوابهم الانتقال إلى مقر الشرطة القضائية واتخاذ الإجراء القانوني المناسب وتسليم الاستدعاء إلى المتهم والضحية والشهود عند الاقتضاء للحضور إلى الجلسة التي يتم تعيينها.

وأضافت ضمن العوامل البشرية والتنظيمية التي يجب مراعاتها أثناء تقديم المشتبه فيهم، وجوب تنظيم الاستنطاق وفقا لأولويات محددة، إذ يتعين البدء بالمحاضر التي يكون أطرافها من الفئات الخاصة (نساء، أطفال، أشخاص ذوو إعاقة، مسنون)، والقضايا التي سيتم فيها إيداع المشتبه فيهم رهن الاعتقال الاحتياطي، فالقضايا الأخرى الواردة عليكم.

ودعت أيضا إلى تنظيم الفضاءات الخاصة بتقديم المشتبه فيهم، والتأكد الدائم من توفر الشروط القانونية في أماكن الاحتفاظ بالمقدمين الذين أمضوا فترة الحراسة النظرية، مع العمل على تخصيص فضاء خاص بالمقدمين في حالة سراح، وفصل الأحداث عن الرشداء.

وحثت الدورية ضباط الشرطة القضائية على تقديم الأشخاص في الساعات الأولى للعمل، والشروع في دراسة المحاضر بمجرد التوصل بها واستنطاق الأشخاص المقدمين في إطارها، زيادة على ترشيد الزمن القضائي المخصص لاتخاذ القرار في محاضر التقديم المحالة عليكم، مع إمكانية دراسة نسخ المحاضر بطريقة قبلية في القضايا المهمة تفاديا للتأخر في اتخاذ القرارات مع ما يستتبعه ذلك من آثار سلبية على أطراف الخصومة الجنائية.

ونبهت إلى تفادي إرجاع المحاضر المحالة في إطار التقديم لإتمام البحث، إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، بالنظر لما يؤدي إليه هذا الأمر من تراكم للمساطر وللأشخاص المقدمين بسببها، مشيرة إلى ضرورة توزيع محاضر التقديم بين عدد كاف من قضاة النيابة العامة بالشكل الذي يضمن انتهاء العملية في أقصر الفترات لضمان إحالة القضايا على الهيئات المختصة (قضاة الحكم والتحقيق) في وقت مناسب يراعي ساعات انعقاد الجلسات والالتزامات المترتبة عن الإحالة.

وطالبت رئاسة النيابة العامة بأنسنة ظروف الاستنطاق واستحضار أن هذا الإجراء يُوَلِّدُ صورة لدى أطراف الخصومة الجنائية عن كيفية تعامل قضاة النيابة العامة مع المقدمين أمامهم، مشددة على أن هذا الأمر “يقتضي الحرص على توفير الضمانات القانونية وكفالة حق الأطراف في الدفاع وتمكينهم من تقديم كل ما يثبت صحة الوقائع والادعاءات، بما يجعل من عملية الاستنطاق حلقة أساسية لحماية الحقوق والحريات المكفولة دستوريا”.

 

الأخبار ذات الصلة

1 من 55

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *