في المغرب، لا يقتصر تنظيم واستضافة التظاهرات الرياضية الكبرى على الجوانب اللوجستية فحسب، بل يستند إلى صلابة مؤسساتية قادرة على استباق المخاطر، وتنسيق مختلف الآليات الأمنية، وضمان استمرارية المرفق العام ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
هذا ما أكده حبوب الشرقاوي، المدير العام للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، في تصريح لإذاعة “ميد راديو” ضمن برنامج غرفة الـVAR، حيث شدد على أن تأمين الأحداث الرياضية يندرج في إطار رؤية شمولية لحماية الفضاء العام وصون المصالح الحيوية للدولة، خاصة في محيط إقليمي يتسم بعدم الاستقرار وتنامي التهديدات، كما هو الحال في منطقة الساحل.
وحسب الشرقاوي فإن المكتب المركزي للأبحاث القضائية يشكل جزءا من منظومة أمنية متكاملة، يعمل في تناغم عضوي مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، مع تخصصه في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتحت إشراف النيابة العامة. وتتمثل مهمته الأساسية في تحويل المعطيات الاستخباراتية إلى إجراءات قضائية دون أي انقطاع مؤسساتي.
وتندرج اختصاصات المكتب ضمن بنية أمنية شاملة تضم المديرية العامة للأمن الوطني، والدرك الملكي، وكافة المتدخلين المؤسساتيين المعنيين. كما يضمن التنسيق العمودي والأفقي سلاسة التدخلات وانسجامها، في حين توفر القيادة الموحدة، تحت إشراف عبد اللطيف حموشي، استمرارية استراتيجية وميدانية حاسمة.
ميدانيا، يضطلع المكتب بتأمين المطارات، والمحطات، والملاعب، ومناطق الجماهير، والفنادق، وكافة البنيات التحتية المصاحبة. ويعتمد في عمله على السرية والفعالية بدل الظهور الإعلامي، من خلال المراقبة الدقيقة للحركية العامة، وتتبع الأفراد، والاستثمار الأمثل للمعلومة الأمنية.
وتشمل اليقظة الأمنية جميع الجماهير، سواء المحلية أو الأجنبية. وفي حال رصد أي تهديد، يتم تفعيل المساطر القانونية المعمول بها، من ترحيل أو تسليم للجهات المختصة أو متابعة قضائية، مع الالتزام الصارم باحترام الحقوق والحريات. ويقوم عمل المكتب على الوقاية الاستباقية والتدخل القانوني المنضبط.
وتعد الاستباقية ركيزة أساسية في العقيدة الأمنية للمكتب. فمنذ إحداثه، تمكن من تفكيك 103 خلايا إرهابية، من بينها 40 خلية مرتبطة بتنظيمي القاعدة و”داعش”. وقد تحققت هذه النتائج بفضل التقييم المستمر للمخاطر والتكييف الدائم لآليات التدخل، بتنسيق وثيق مع باقي الأجهزة الأمنية.
ويشكل كأس إفريقيا للأمم نموذجا بارزا لهذه الخبرة المتراكمة، حيث يستند تأمين هذا الحدث القاري إلى قدرات وطنية مستقلة نابعة من تجربة طويلة وتنظيم محكم. أما التعاون الدولي، فيتم في إطار شراكات محسوبة ومسؤولة.
كما تعد الخطة الأمنية المعتمدة خلال كأس إفريقيا قاعدة أساسية للتحضير لكأس العالم 2030، بما يعكس قدرة المغرب على تدبير الشأن الأمني برؤية بعيدة المدى، دون ارتجال أو انقطاع.
وترتكز العقيدة الأمنية المغربية على اليقظة الدائمة، والاستباق المنهجي، والتعاون متعدد الأبعاد، والتكيف المستمر مع طبيعة التهديدات. وهي مقاربة تجمع بين المستويات الوطنية والإقليمية والدولية لضمان استقرار الفضاء العام وحماية المصالح الاستراتيجية للدولة.
وتصنف منطقة الساحل اليوم كإحدى البؤر الاستراتيجية للإرهاب، في ظل وجود روابط ميداني بين القيادات المحلية والخلايا النشطة، وهو ما دفع المغرب إلى تنبيه شركائه الدوليين إلى المخاطر العابرة للحدود التي تهدد القارة الإفريقية برمتها.
وتقوم الاستجابة المغربية على تعزيز التعاون الأمني، وتبادل المعلومات، والتكوين المتخصص، وتقديم الدعم التقني للشركاء الأفارقة والأوروبيين والأمريكيين. كما يساهم المغرب في تكوين الأطر والضباط الأفارقة، وتقاسم خبرته وأساليبه في مجال مكافحة الإرهاب.
ويرى حبوب الشرقاوي أن الأمن مسؤولية جماعية لا تقتصر على المؤسسات الرسمية، بل تتطلب انخراط المواطنين والمجتمع المدني في تعزيز اليقظة، والتبليغ عن المخاطر، والوقاية من التطرف.
ويقوم هذا الانفتاح على توازن دقيق بين الشفافية والحفاظ على السرية العملياتية، مع احترام الحق في الوصول إلى المعلومة، بما يجعل من الأمن مسؤولية مشتركة وركيزة أساسية للوقاية المستدامة.















