مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار بدائرة إنزكان آيت ملول لم يجد، في خضم المنافسة الانتخابية، ما هو أهم من جعل «خالد الشناق» محوراً لحملته وخطابه السياسي؛ في مشهد يعكس حجم التوتر الذي طبع علاقة عدد من الفاعلين المحليين بالبرلماني الاستقلالي منذ مغادرته صفوف الأحرار.
إن خروج الشناق من حزب التجمع الوطني للأحرار والتحاقه بحزب الاستقلال لم يكن مجرد تغيير للانتماء السياسي، بل يبدو أنه أعاد رسم خريطة التحالفات والصراعات داخل الإقليم، وفَتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس، عنوانها الأبرز: من يملك النفوذ السياسي، ومن يستطيع إقصاء الآخر؟ وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، لم يخفِ عدد من الفاعلين المنتمين إلى المشهد المحلي وجود خلافات سياسية وحزبية قوية، لا سيما بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال. ومع دخول الاستحقاقات الحالية، انتقلت هذه الخلافات من الكواليس إلى العلن، وأصبح الشناق حاضراً في جزء مهم من الخطاب الانتخابي لمنافسيه.
وفي قلب هذا الصراع، يبرز رئيس جماعة أيت ملول الذي يقود المجلس باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، كأحد أبرز الوجوه التي تخوض مواجهة سياسية مفتوحة ضد خصوم الحزب. وهنا، يحق للساكنة أن تطرح سؤالاً بسيطاً ولكنه جوهري: هل الأولوية اليوم هي تقديم حصيلة تدبير جماعة أيت ملول ومناقشة مشاكل المدينة، أم تحويل الانتخابات البرلمانية إلى مناسبة لتصفية الحسابات السياسية مع خالد الشناق؟
فالناخب الأيت ملولي يريد أن يعرف ما الذي تحقق داخل جماعته خلال الولاية الحالية؛ وتحديداً في ملفات النظافة، والطرق، والإنارة، والتعمير، والمرافق العمومية، والنقل، والأسواق، والفضاءات الخضراء، والاستثمار، وغيرها من الملفات التي تقع حواشيها ضمن اختصاصات المجلس الجماعي. أما تحويل الأنظار باستمرار نحو برلماني لا يترأس الجماعة ولا يملك صلاحيات رئيس مجلسها، فلا يمكن أن يعفي المسؤولين عن التدبير المحلي من تقديم حصيلتهم أمام المواطنين.
ومن أقوى محطات هذا الصراع، قضية المستشارين الجماعيين المنتمين إلى حزب الاستقلال، اللذين صوتا خلال دورة أكتوبر 2025 لفائدة عدد من النقاط المدرجة في جدول أعمال مجلس جماعة أيت ملول، من بينها مشروع ميزانية 2026 واتفاقيات مرتبطة بتدبير الشأن المحلي. ورغم أن المسار القضائي انتهى، وفق المعطيات الواردة في الملف، إلى تجريدهما من العضوية بمجلس الجماعة وما يترتب على ذلك من آثار قانونية، إلا أن الملف لم يتوقف عند حدود القرار القضائي؛ بل حمل معه أسئلة سياسية أكبر، لا سيما في ظل ظهور أحد المستشارين المُجَرّدين لاحقاً في محيط الحملة الانتخابية لمرشح عن حزب الأحرار.
وهنا لا يتعلق الأمر بإصدار أحكام أو اتهامات، وإنما بطرح سؤال سياسي مشروع: كيف يُعاد تشكيل التحالفات عندما تقترب الانتخابات؟ وكيف يصبح من كان بالأمس خصماً حزبياً قريباً اليوم من الحملة الانتخابية؟ فالسياسة بطبيعتها تعرف التحالفات والتقاطعات، لكن من حق الناخب أن يعرف خلفيات هذه التحولات وأن يقيّمها بنفسه.
ولم يتوقف الجدل عند أيت ملول، بل امتد إلى جماعة القليعة، بعدما دخل ملف التقسيم الترابي على خط المعركة الانتخابية. فقد طرح رئيس جماعة أيت ملول، في تدوينة موجهة إلى الساكنة، سؤالاً حول برلماني قيل إنه عبّر عن رغبته في إقتطاع مساحة كبيرة من جماعة القليعة في إطار إعادة التقسيم الترابي. لكن هنا تبرز مفارقة تستحق التوضيح أمام الرأي العام: إذا كان رئيس جماعة أيت ملول قد تحدث في وقت سابق، خلال لقاء إعلامي، عن إمكانية اقتطاع جزء من القليعة وإلحاقه بأيت ملول، فلماذا يُطرح الموضوع اليوم على أنه موقف منسوب إلى طرف آخر ؟
إن المطلوب ليس المزايدة، وإنما العودة إلى التصريحات والوثائق والتواريخ، ووضعها أمام المواطنين كاملة، حتى يعرف الرأي العام من قال ماذا ومتى وفي أي سياق؛ فالقليعة ليست مجرد ورقة انتخابية يتم استدعاؤها عند الحاجة، بل هي مدينة تضم ساكنة وتواجه مشاكل وانتظارات حقيقية، بدءاً من النقل والبنية التحتية، وصولاً إلى التعمير والخدمات العمومية.
وإذا كان بعض منافسي خالد الشناق يعتبرون أنه لم يقدم ما يكفي للمنطقة، فالمجال مفتوح أمامهم لتقديم الأرقام والوثائق ومناقشة حصيلته بنداً بنداً. أما تحويل المنافسة إلى حملة مستمرة ضد شخص واحد، فلن يكون كافياً لإقناع الناخب. فالشناق، وفق الحصيلة التي يتم تداولها حول ولايته البرلمانية 2021–2026، تقدم بأكثر من 150 سؤالاً ومبادرة برلمانية، شملت ملفات مرتبطة بإنزكان وآيت ملول والقليعة والطريق الدائري وقنطرة النخيل والمنطقة اللوجستية وسوق الجملة، فضلاً عن قطاعات الصحة والتعليم والماء والتشغيل والقدرة الشرائية.
تلك الحصيلة يمكن أن تكون موضوع نقاش ونقد وتقييم، لكن المواجهة الحقيقية ينبغي أن تكون بالأرقام والوثائق، لا بالشعارات أو محاولة تحويل المنافس السياسي إلى عدو انتخابي دائم. وإذا كان حزب التجمع الوطني للأحرار يطلب من المواطنين تقييم حصيلة الحكومة، فمن حق المواطنين بدورهم أن يطلبوا من منتخبي الحزب محلياً تقديم حصيلتهم. فالانتخابات ليست مناسبة لتقديم إنجازات الآخرين على أنها ملكية حزبية، ولا لتحميل برلماني مسؤولية تدبير جماعة، ولا لتحويل المشاريع العمومية إلى أدوات للمزايدة السياسية. فمن ترأس جماعة فليقدم حصيلة جماعته، ومن كان برلمانياً فليقدم حصيلته البرلمانية، ومن كان مسؤولاً حزبياً فليوضح ما قدمه سياسياً؛ أما الخلط بين الاختصاصات وتحميل كل طرف مسؤولية ملفات لا تدخل ضمن صلاحياته، فلن يؤدي إلا إلى تضليل الناخب وإبعاد النقاش عن جوهره.
اليوم، لم يعد الناخب ينتظر من يخبره من هو «العدو» ومن هو «الصديق»؛ بل يريد المواطن أن يعرف من خدم المنطقة، ومن قدم مبادرات حقيقية، ومن دافع عن الملفات، ومن امتلك الجرأة على مساءلة المسؤولين، ومن كان حاضراً عندما احتاجته الساكنة. أما محاولات تخويف الناخب من هذا المرشح أو شيطنة ذاك، فلن تحسم المعركة.
ليس خالد الشناق من يقرر وحده نتائج الانتخابات، ولا رئيس جماعة أيت ملول من يقررها، ولا حزب الأحرار ولا حزب الاستقلال ولا أي حزب آخر؛ بل الذي سيقرر هو المواطن، والفيصل سيكون صندوق الاقتراع. هناك فقط ستتوقف الحملات، وتنجلي الحسابات، وينتهي الضجيج، ويظهر من اختاره المواطنون بالفعل.













