مع عَدّ العكسي لطيّ صفحات الولاية التشريعية (2021-2026)، يعود أداء ممثلي دائرة إنزكان آيت ملول بـ مجلس النواب إلى صدارة الاهتمام الشغوف والمتابعة السياسية بالإقليم. وتستمد هذه الدائرة أهميتها الاستثنائية من كونها أحد المحركات الاقتصادية والديمغرافية الأكثر حيوية بجهة سوس ماسة، مما يجعل التساؤل حول نجاعة الحضور البرلماني لنوابها الثلاثة، ومدى انعكاس هذا الأداء على واقع التنمية والخدمات الاجتماعية، سؤالاً مشروعاً يتجاوز المنطق الرقمي الصرف إلى قياس الأثر الفعلي على أرض الواقع. وتكشف قراءة المسار البرلماني لممثلي الدائرة عن وجود ثلاثة نماذج متباينة في التمثيلية والممارسة النيابية؛ نموذج يرتكز على الترافع الرقابي والمساءلة الشاملة وتكريس الشفافية، وآخر يراهن على الوزن والموقع المؤسساتي داخل هياكل المجلس، وثالث يمزج بين الأداء الرقمي والتموقع داخل الأغلبية الحكومية.
أولاً: النائب خالد الشناق.. نموذج الترافع الشامل وثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبةبرز النائب خالد الشناق، عن حزب الاستقلال، كأحد أكثر الأصوات تميزاً وإثارة للانتباه بدائرة إنزكان آيت ملول، مكرساً تجربة نموذجية بتبنيه خيار عرض حصيلته البرلمانية التفصيلية أمام الساكنة والرأي العام. ولم تقتصر حصيلته على البعد الرقمي بـ 94 سؤالاً كتابياً و56 سؤالاً شفوياً، أو الانضباط التام بالحضور في كافة الجلسات العامة والتشريعية وقوانين المالية، بل تجسدت في ترافع نوعي وميداني لم يترك قطاعاً حيوياً إلا وطرق أبوابه. وقد شمل الأداء الميداني للشناق دفاعاً مستميتاً عن قضايا حارقة بالإقليم والجهة:الدفاع عن الأمن المائي والسيادة الغذائية بسوس: قاد ترافعاً حازماً لحماية المنظومة الفلاحية عبر المطالبة بالسدود التلية، وحل أزمة توقف مياه السقي من سد أولوز، وتخفيف كلفة الإنتاج برفع الضريبة عن المدخلات الفلاحية، ومراقبة السلامة الصحية للسلع، والحد من اختلالات استيراد المواشي واللحوم لحماية القطيع الوطني. معركة القدرة الشرائية وسوق المحروقات: كان من أوائل النواب المطالبين بإعادة تشغيل خزانات “لاسامير” لتأمين المخزون الطاقي، وإخراج النصوص التطبيقية لقانون الهيدروكاربورات لمواجهة جشع شركات التوزيع، مع المساءلة المستمرة للحد من غلاء المواد الأساسية كالبطاطس واللحوم والدواجن، وإصلاح أسواق الجملة لتفكيك بؤر المضاربة. النهوض بالمنظومة الصحية والشفافية: وضع اختلالات المستشفى الإقليمي بإنزكان تحت المجهر بمساءلته عن الخصاص الحاد في الأطباء والأخصائيين، والمطالبة بوفد لجنة افتحاص مركزية للتدقيق في حكامة واقتناء الأدوية، وتوفير سيارة إسعاف للإنعاش SAMU، فضلاً عن متابعته لتأخر افتتاح المركز الاستشفائي الجامعي بأكادير وتعطل جهاز “السكانير” فور تدشينه. حكامة العقار والبنية التحتية بآيت ملول والإقليم: تتبع ملفات معقدة تمس الشفافية، كالمطالبة بالتحقيق في تغيير معالم عقارات مخصصة لمرافق عمومية بآيت ملول وبناء إقامات سكنية فوقها، وإثارة استيلاء الجماعة على أراضٍ مخصصة لتوسعة مسجد الشهداء، ورصد تسربات الصرف الصحي بمدارة “العزيب” بالقليعة، وتأخر إعادة هيكلة الأحياء ناقصة التجهيز. نزاهة الجامعات والمؤسسات التعليمية: أبدى حزماً رقابياً ضد شبهات المحسوبية في مباريات توظيف الأساتذة وقضية “بيع الشهادات الجامعية” بكلتي الاقتصاد بأكادير وآيت ملول، إلى جانب دفاعه عن أطر التوجيه والتخطيط، والترافع لتأهيل وتكسية الملعب البلدي “قصبة الطاهر” بآيت ملول بالعشب الاصطناعي. الأمن الشامل والأنشطة الاقتصادية: واصل ضغطه لإحداث مفوضية للأمن ومركز للوقاية المدنية بالقليعة ذات النمو الديمغرافي المتسارع، وتأمين نقل العاملات والعمال الزراعيين، ودفع عجلة الاستثمار بإحداث مناطق للأنشطة الاقتصادية بالقليعة، التمسية، وأولاد دحو، وإعادة تفويت العقارات الفارغة بالمنطقة الصناعية بآيت ملول. الدبلوماسية البرلمانية: امتد نشاطه لتمثيل المملكة في محافل دولية بارزة، من خلال مشاركته ضمن الوفد البرلماني المغربي في الدورة العشرين لاتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بالعاصمة الأذربيجانية باكو.
ثانياً: النائب محمد ودمين.. الثقل المؤسساتي ورئاسة اللجان على الجانب الآخر، يقدم النائب محمد ودمين، عن حزب الأصالة والمعاصرة، نموذجاً مختلفاً للحضور البرلماني لا يقاس بعدد الأسئلة الموجهة بقدر ما يتحدد بموقعه القيادي داخل المؤسسة التشريعية. فقد تقلد ودمين موقعاً يعكس ثقلاً مؤسساتياً باختياره رئيساً لـ لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية بمجلس النواب، وهي واحدة من أهم اللجان الدائمة وأكثرها حساسية. وتمنحه هذه الرئاسة إشرافاً مباشراً على دراسة ومناقشة التشريعات والسياسات المتعلقة بوزارة الداخلية، التعمير، السكنى، الجماعات الترابية، والاهتمام بالانتقال الرقمي. ومن ثم، فإن قياس أداء ودمين يرتبط أساساً بمدى توظيف هذا الموقع الاستراتيجي وتأثيره في إدارة الملفات التشريعية والتنموية الكبرى.
ثالثاً: النائب إسماعيل الزيتوني.. الديناميكية الرقمية والتواجد بالأغلبيةيقدم النائب إسماعيل الزيتوني، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، أسلوباً يزاوج فيه بين النشاط التشريعي والعمل الميداني من موقع الانتماء للأغلبية الحكومية. وحسب المعطيات الرسمية لمجلس النواب، سجل الزيتوني حضوراً رقمياً لافتاً بتوجيه 124 سؤالاً خلال الولاية الحالية. وبحكم عضويته في لجنة القطاعات الاجتماعية، ركّز الزيتوني على ملامسة قضايا القطاع التربوي والاجتماعي، من قبيل:معالجة وضعية أساتذة التعليم الأولي وسد الخصاص في الأطر التربوية والإدارية بالإقليم.الدفاع عن الأوضاع الاجتماعية للفنانين ومتابعة ملف إدماج العمال العرضيين بجماعة آيت ملول.الترافع عن قضايا الشباب والرياضة والجمع بين الانشغالات الوطنية والخصوصيات المحلية للدائرة.ويرهن متتبعو الشأن المحلي حصيلة الزيتوني بمدى استثمار قربه من موقع القرار الحكومي لتحويل خطابه وأسئلته إلى مكاسب تنموية واستثمارات عمومية تشعر بها ساكنة الإقليم.
من قياس النشاط إلى اختبار النتائج إن القراءة المتأنية لمسار نواب دائرة إنزكان آيت ملول تؤكد أنه لا يوجد قالب موحد لممارسة التمثيلية النيابية؛ فالساحة السياسية بالإقليم تضم ثلاثة مداخل متباينة: الترافع الرقابي المكثف والالتزام بالشفافية والمساءلة التي أرسى معالمها الشناق، الثقل المؤسساتي والتنفيذي للجنة الداخلية عبر ودمين، والاستفادة من هامش الأغلبية والنشاط الرقمي لدى الزيتوني. ويرى المتابعون أن أسلوب الشناق في تقديم الحصيلة الشاملة يُسهم بفاعلية في إعادة بناء ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة، عبر فتح باب المحاسبة والتقييم على قاعدة الأرقام والوقائع. إلا أن الساكنة بمختلف جماعات الإقليم تبقى في نهاية المطاف هي الحكم في التمييز بين الأثر الملموس والجهد المبذول.
ومع الاقتراب الفعلي للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سيبقى السؤال الأساسي المطروح على المحك أمام الناخبين: من من النواب الثلاثة استطاع أن يجعل من وجوده تحت قبة البرلمان قيمة مضافة حقيقية وواقعاً تنموياً معيشاً لساكنة إنزكان آيت ملول؟













