هل يُقاس أداء البرلماني بعدد اللقاءات والصور، أم بما يقدمه من مبادرات وأسئلة ومرافعات داخل المؤسسة التشريعية؟

في كل محطة انتخابية، يعود النقاش نفسه إلى الواجهة: كيف يمكن تقييم أداء البرلماني؟ هل يكفي أن يظهر بشكل متكرر في المناسبات واللقاءات، وأن تنشر له الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى يُعتبر ممثلاً ناجحاً للناخبين؟ أم أن المعيار الحقيقي يكمن في ما ينجزه داخل قبة البرلمان من تشريع ورقابة ومرافعة عن قضايا المواطنين؟

لقد ساهم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في خلق صورة جديدة للعمل السياسي، حيث أصبح الحضور الإعلامي والرقمي لدى البعض معياراً للحكم على الأداء. غير أن المؤسسة التشريعية ليست فضاءً لالتقاط الصور أو تنظيم اللقاءات فقط، بل هي مؤسسة دستورية تضطلع بمهام محددة تتمثل في التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، والدفاع عن مصالح المواطنين من خلال الآليات التي يتيحها النظام الداخلي للبرلمان.

فالبرلماني الذي يتقدم بأسئلة كتابية وشفوية، ويقترح تعديلات على مشاريع القوانين، ويقدم مقترحات قوانين، ويترافع داخل اللجان البرلمانية، ويساهم في مناقشة الميزانيات والبرامج الحكومية، يمارس جوهر الوظيفة التي انتُخب من أجلها. وقد لا تحظى هذه الأعمال بنفس الانتشار الذي تحظى به الصور والمنشورات، لكنها تظل الأثر الحقيقي الذي يمكن قياسه والرجوع إليه وتوثيقه.

في المقابل، لا يمكن التقليل من أهمية التواصل الميداني مع المواطنين. فاللقاءات مع الساكنة، والاستماع إلى مشاكلها، وزيارات المؤسسات والمشاريع، تشكل جزءاً مهماً من العمل النيابي، لأنها تمكن البرلماني من نقل انشغالات المواطنين إلى المؤسسة التشريعية. غير أن هذا التواصل يفقد قيمته إذا لم يُترجم إلى مبادرات عملية وأسئلة ومرافعات ومتابعة داخل البرلمان.

إن الناخب اليوم أصبح أكثر وعياً من أي وقت مضى، ولم يعد يكتفي بالخطابات أو الصور. فهو يبحث عن نتائج ملموسة: هل تمت إثارة مشاكل منطقته داخل البرلمان؟ هل تم الضغط من أجل تحسين الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية؟ هل تم تقديم مبادرات تشريعية تلامس هموم المواطنين؟ وهل استطاع البرلماني التأثير في السياسات العمومية أو الدفاع عن مصالح دائرته الانتخابية؟

ولهذا، فإن تقييم الأداء النيابي ينبغي أن يستند إلى مؤشرات موضوعية، من بينها عدد ونوعية الأسئلة البرلمانية، والمبادرات التشريعية، والحضور الفعلي في الجلسات واللجان، والمرافعات المرتبطة بقضايا المواطنين، إضافة إلى القدرة على الترافع لدى القطاعات الحكومية من أجل جلب المشاريع وحل الإشكالات المحلية. أما الصور واللقاءات، فهي وسائل للتواصل وليست غاية في حد ذاتها.

وفي ظل التحولات التي يعرفها المشهد السياسي، يبدو أن الحاجة أصبحت ملحة لترسيخ ثقافة تقييم المسؤولين بناءً على الحصيلة والنتائج، لا على الحضور الإعلامي فقط. فالمواطن لا ينتخب البرلماني ليكون نجماً على منصات التواصل، وإنما ليكون صوتاً له داخل المؤسسة التشريعية، ومدافعاً عن مصالحه، ومساهماً في صناعة القرار الوطني.

فهل نختار ممثلينا على أساس كثرة الصور واللقاءات، أم على أساس ما يحققونه من أثر تشريعي ورقابي وتنموي؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبلاً طبيعة العمل البرلماني، ومدى ارتباطه بالنجاعة والنتائج، بدل الاكتفاء بالمظاهر والشعارات.

الأخبار ذات الصلة

1 من 389

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *