اشتوكة آيت باها بين هيمنة الأعيان وحتمية التغيير بقوة الكفاءات والشباب

بينما تتطلع الأقاليم المغربية إلى جيل جديد من النخب السياسية القادرة على مواكبة تحديات مغرب اليوم، يعيش إقليم شتوكة آيت باها على وقع اختناق سياسي مزمن. لم يعد الأمر مجرد تراجع في الأداء الإداري، بل تحول الوضع إلى “بلوكاج” حقيقي يرهن مستقبل الإقليم بيد ثلة من الأعيان الذين أحكموا قبضتهم على المفاصل السياسية، محولين الشأن العام من مسؤولية وطنية إلى استثمار مالي وعائلي مربح.

لقد تجاوز النفوذ التقليدي للأعيان في شتوكة آيت باها حدود العمل الحزبي المتعارف عليه، فلم يعد هؤلاء يكتفون بالهيمنة داخل تنظيم سياسي واحد، بل امتدت أذرعهم لتشمل السيطرة على عدة أحزاب في الآن ذاته، مما أدى إلى تفريغ التعددية السياسية من محتواها.

ويأتي التحكم المطلق في التزكيات الانتخابية بطرق تفتقر إلى أدنى معايير العدالة والتنافس الشريف، ليكون القاعدة؛ حيث تُمنح التزكيات بناءً على الولاء والقدرة المالية، مما قلص فرص المنافسة الحقيقية وأغلق الباب بشكل ممنهج أمام الشباب والكفاءات وأصحاب الفكر المستقل من الوصول إلى مراكز المسؤولية. والنتيجة الحتمية لـ “إقصاء الكفاءات” هي “إقصاء التنمية” وتعطيل قطار التطور بإقليم يزخر بمؤهلات اقتصادية وفلاحية ضخمة لكنه يفتقر إلى حكامة حقيقية، وهو ما يضعنا أمام أسئلة حارقة تفرض نفسها على كل لبيب: هل يتحكم الأعيان فعلاً في مستقبل شتوكة آيت باها؟ وهل يقبل الشباب الاستمرار رهينة لهذه الهيمنة المقيتة؟

وأخطر تجليات هذا الوضع هو استفحال عقلية “الوراثة السياسية” لدى بعض هؤلاء الأعيان. ففي مشهد يذكرنا بعهود الإقطاع، باتت المناصب والمقاعد البرلمانية ورئاسات الجماعات الترابية تنتقل بسلاسة من الأب إلى الابن، أو تظل حكراً داخل الدائرة العائلية الضيقة، وكأن المقعد النيابي أو الانتخابي إرث عائلي مسجل في المحافظة العقارية! لقد تعامل بعض المسؤولين مع مناصبهم كملك شخصي غابت معه قيم المسؤولية العمومية الخاضعة للمحاسبة. ولم يتوقف الأمر عند احتكار الكراسي، بل تعدى ذلك إلى استغلال النفوذ الشططي في التعامل مع المواطنين، وخاصة أولئك الذين يجرؤون على الاختلاف مع المسؤول في الرأي. اليوم، يتحدث الكثيرون في الكواليس عن تعرض معارضين لتضييقات وابتزاز غير مباشر عند طلب رخص، وثائق، أو خدمات إدارية بسيطة هي في الأصل حق مكفول بقوة القانون، وهو الشطط الذي أدى إلى خلق مناخ من الخوف والصمت والوجل لدى فئات واسعة من الساكنة بفعل السطوة والنفوذ السياسي.

هكذا تحولت السياسة لدى بعض الأعيان في الإقليم إلى “مشروع استثماري” مدر للربح والامتيازات؛ إذ تُنفق أموال ضخمة ومرعبة خلال الحملات الانتخابية، لا حباً في تنمية الإقليم أو خدمة لساكنته، بل بغرض شراء المقاعد التي تضمن النفوذ، الحصانة، والامتيازات الشخصية. يتم استغلال حاجة المواطنين وظروفهم الاجتماعية الصعبة خلال أيام الحملة الانتخابية فقط عبر وعود وردية وشعارات جوفاء، وبمجرد إعلان نتائج الصناديق وإغلاق مكاتب التصويت، يختفي هؤلاء ويدخلون في مرحلة “البيات الشتوي”، ليتراجع التواصل بشكل كامل مع المواطنين، تاركين إياهم لمشاعر التهميش والخذلان. إنها معادلة واضحة تؤكد أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بعقلية المصالح الضيقة والولاءات التقليدية، لأن إنفاق الملايين في الانتخابات ينتج مسؤولاً يبحث عن استرجاع “رأس ماله” أولاً، وليس عن حل مشاكل الساكنة.

إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب ثورة فكرية في التعاطي مع الشأن الانتخابي، حيث يجب أن يتوجه الدعم المجتمعي نحو الكفاءات وليس نحو الدكاكين الحزبية التي استسلمت لمنطق المال. الإقليم بحاجة ماسة إلى اختيار مسؤولين نزهاء يمتلكون الخبرة، نظافة اليد، والكفاءة العلمية والتدبيرية. ومن هنا تطرح فكرة “منقذ إقليم شتوكة آيت باها”؛ ليس كشخص “مخلص” فردي، بل كفريق متكامل من الكفاءات المتخصصة الشابة والأطر العليا والخبراء في مختلف المجالات، فريق قادر على قلب المعادلة وتدبير الشأن المحلي بعقلية حديثة تنبذ الولاءات الضيقة وتعتمد على أربعة ركائز أساسية وهي: الكفاءة بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، والتخصص عبر تدبير القطاعات الحيوية بعقول علمية، والحكامة الجيدة بالتدبير الشفاف وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأخيراً العمل الجماعي الذي يغلب المصلحة العامة للإقليم على الأنانية السياسية وحسابات التوريث العائلي.

لا يمكن إلقاء اللوم كله على الأعيان والمال السياسي؛ فالمواطن الشتوكي يتحمل القسط الأوفر من المسؤولية في اختيار نخبته الانتخابية. فمحاربة هذا الأخطبوط تبدأ من صندوق الاقتراع عبر التصويت عن قناعة وضمير حي، بعيداً عن إغراءات المال أو ضغوط النفوذ والقرابة. يجب أن يستوعب المواطن أن قيمة صوته الانتخابي لا ترتبط فقط بفوز مرشح معين، بل بمدى مساهمته في ترسيخ ثقافة سياسية نظيفة تقطع مع ممارسات الماضي. والرسالة الختامية واضحة كالشمس: المواطن الواعي أقوى بكثير من المال الانتخابي، والتغيير الحقيقي والمنشود في شتوكة آيت باها يبدأ بصوت حر يمتلك الشجاعة ليرفض، وبقوة، إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الممارسات التي عطلت تنمية الإقليم وحاصرت مستقبله لسنوات طوال.

الأخبار ذات الصلة

1 من 90

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *