تشهد الأسواق هذه الأيام مفارقة صارخة بين لغة الأرقام الرسمية المطمئنة التي تقدمها الحكومة، وبين واقع مرير يصطدم به المواطنون ميدانياً، عنوانه الأبرز: الغلاء المتواصل وعجز الأسر عن مجاراة الأسعار الملتهبة لأضاحي العيد. وبينما يتحدث الخطاب الرسمي عن وفرة العرض والاستعدادات المكثفة، تروي شهادات المواطنين قصة أخرى تتسع معها الهوة بشكل يثير الكثير من التساؤلات حول فعالية التدابير الحكومية ومدى انعكاسها الحقيقي على القدرة الشرائية.
وحسب المعطيات الرسمية، تؤكد الحكومة أن القطيع الوطني بلغ 30.7 مليون رأس، منها 23.2 مليون من الأغنام و7.5 مليون من الماعز، مشيرة إلى أن العرض المخصص لعيد الأضحى يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، في مقابل طلب لا يتجاوز 6 أو 7 ملايين رأس. وبناءً على هذه الأرقام، يفترض أن يشهد السوق وفرة تساهم في استقرار الأسعار وتخفيف الضغط على الأسر؛ غير أن المعاينة الميدانية تكشف عكس ذلك تماماً، إذ ما تزال أسعار الأضاحي تتراوح بين 3000 و5000 درهم في عدد من المدن الكبرى وهو ما يراه المواطنون غلاءً خيالياً يفوق بكثير إمكانيات الطبقتين المتوسطة والفقيرة.
وفي السياق ذاته، تسلط الحكومة الضوء على حزمة من الإجراءات، شملت برنامجاً لإعادة تكوين القطيع الوطني بعد توالي سنوات الجفاف، وتكثيف مراقبة الأعلاف والأدوية البيطرية، فضلاً عن تهيئة مئات الأسواق ونقط البيع المؤقتة، وتسجيل 162 ألف وحدة لتسمين الأغنام والماعز، إلى جانب وضع خطة لمحاربة المضاربة عبر إعادة تنظيم سلاسل التوزيع. لكن أمام هذا الزخم من التدابير، يبقى السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط معلقاً وبلا إجابة: إذا كانت كل هذه الإجراءات والبرامج موجودة فعلاً، فلماذا لا يظهر أثرها على الأسعار داخل الأسواق؟
إن المشكل الحقيقي لا يبدو مرتبطاً بالوفرة في حد ذاتها، بقدر ما يكمن في غياب رقابة صارمة وفعالة تضبط تحركات الوسطاء و”الشناقة” الذين يستغلون هذه المناسبة الدينية لتحقيق أرباح ضخمة على حساب جيوب المستهلكين. ورغم الحديث الحكومي المتكرر عن محاربة الاحتكار، فإن العجز عن فرض توازن حقيقي داخل الأسواق جعل فئات واسعة من المواطنين تشعر بأن التدابير المعلنة لا تتجاوز حدود البلاغات الإعلامية والخطب الرسمية المنفصلة عن الواقع اليومي.
هذا الوضع دفع بالجمعيات المهتمة بحماية المستهلك إلى دق ناقوس الخطر، محذرة من استغلال “تجار الأزمات” للظرفية الحالية، حيث لم يقتصر الغلاء على الماشية فقط، بل امتد ليشمل مختلف مستلزمات العيد؛ وفي مقدمتها مادة الفحم التي سجلت أسعارها ارتفاعاً مهولاً وصادماً وصل إلى 185%، وهو ما يؤكد أن الأزمة تعكس خللاً عميقاً وبنيوياً في آليات مراقبة الأسواق وتتبع سلاسل التوزيع.
اليوم، يجد آلاف المغاربة أنفسهم أمام معادلة اجتماعية ودينية معقدة: رغبة ملحة في الحفاظ على شعيرة دينية مقدسة تشكل جزءاً من الهوية والترابط الأسري، في مقابل واقع اقتصادي خانق وجيوب أنهكتها موجات التضخم المتتالية. وأمام هذا التباين الواضح بين لغة الأرقام ومعاناة المواطن داخل “الرحبة”، بدأت أزمة الثقة تتسع، لأن المواطن لا يحكم على جودة السياسات من خلال التصريحات، بل بناءً على ما يلمسه مباشرة في قفته وقدرته الشرائية.
إن استمرار هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني يضع جدوى البرامج الحكومية على المحك، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول فائدة خطط الدعم والتهيئة إذا لم تؤدّ في نهاية المطاف إلى تخفيف العبء المالي عن الأسر المغربية. فالمغاربة اليوم لم يعودوا بحاجة إلى مزيد من التطمينات والأرقام الاستعراضية، بل يتطلعون إلى تدخل ميداني حازم يضرب بيد من حديد على أيدي المضاربين، ويعيد إلى الأسواق توازنها وعدالتها المفقودة.
A.Boutbaoucht














