أكادير: إبراهيم فاضل.
في زمن تتسابق فيه البرامج التلفزيونية نحو الإثارة السريعة والمحتوى الاستهلاكي، يواصل البرنامج الوثائقي “أمالاي” شق طريق مختلف على شاشة القناة الأولى المغربية، محققًا نجاحًا لافتًا في موسمه الخامس لسنة 2026، بعدما استطاع أن يستقطب نسب مشاهدة مرتفعة ويتحول إلى أحد أبرز الأعمال الوثائقية التي لاقت تفاعلًا واسعًا لدى الجمهور المغربي.

هذا النجاح لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة رؤية فنية متكاملة يقودها الفنان و المخرج والموسيقي، خالد البركاوي وفريقه الذي يتكون من 11 شخص ، هذا الاخير الذي اختار أن يجعل من الكاميرا رفيقًا في رحلة عبر المغرب العميق، بحثًا عن الجمال المختبئ في تفاصيل الحياة اليومية، وعن الأصوات الموسيقية التي ما تزال تنبض في القرى والجبال والواحات.
ويحمل اسم البرنامج دلالة رمزية لافتة؛ فكلمة “أمالاي” في اللغة الأمازيغية تعني “الرحّالة” أو “الجوال”، وهو ما ينسجم تمامًا مع روح العمل التي تقوم على الترحال بين مناطق متعددة من المملكة، والانفتاح على ثقافات محلية متجذرة في التاريخ. وقد قادت هذه الرحلة فريق البرنامج إلى فضاءات متنوعة، من بينها الراشدية ومرزوكة والريصاني وأرفود ووزان وقلعة السراغنة وزاوية أحنصال و مكداز ودمنات وسيدي قاسم، وهي مناطق تزخر بثراء ثقافي وطبيعي ظل لسنوات طويلة بعيدًا عن عدسات الإعلام.
ويقوم “أمالاي” على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في مضمونها: الاقتراب من الناس، الإصغاء لحكاياتهم، وتوثيق ما تختزنه ذاكرتهم من عادات وتقاليد وفنون. فالكاميرا هنا لا تكتفي بتصوير المكان، بل تروي قصته من خلال أهله، لتتحول كل حلقة إلى لوحة إنسانية تجمع بين الصورة والموسيقى والحكاية.

ويحتل البعد الموسيقي موقعًا محوريًا داخل بنية البرنامج، إذ يمنح مساحة واسعة للفرق التراثية والفنانين الشعبيين لتقديم أنماطهم الفنية في بيئتهم الأصلية، بما تحمله من إيقاعات أصيلة تعكس تنوع الثقافة المغربية. وفي هذا السياق، يعتمد العمل على تجربة تفاعلية يعيشها خالد البركاوي مع الموسيقيين المحليين، حيث تتحول اللقاءات الفنية إلى لحظات إبداع مشتركة تمزج بين روح التراث ولمسة التجديد.
وقد ساهم هذا الأسلوب الفني في جعل “أمالاي” أكثر من مجرد برنامج وثائقي؛ فهو عمل بصري يحتفي بالهوية المغربية ويعيد تقديمها بلغة معاصرة قادرة على جذب المشاهد، خصوصًا فئة الشباب الذين وجدوا في البرنامج نافذة مختلفة لاكتشاف الموسيقى التراثية والتعرف على جذورها الثقافية.
ويجمع كثير من المتابعين على أن سر نجاح “أمالاي” يكمن في صدقه الفني وهدوء إيقاعه السردي و البساطة، إضافة إلى جودة الصورة والإخراج التي تمنح المشاهد إحساسًا بأنه يعيش التجربة من داخل المكان نفسه. كما نجح البرنامج في تسليط الضوء على مناطق سياحية ساحرة لا تحظى غالبًا بالاهتمام الإعلامي الكافي، ما يجعله أيضًا مساهمة مهمة في التعريف بالمؤهلات الطبيعية والثقافية للمملكة.
ومع استمرار عرض حلقاته كل يوم إثنين مساءً على القناة المغربية الأولى، يؤكد “أمالاي” أن البرامج الوثائقية قادرة على استعادة مكانتها في المشهد التلفزيوني المغربي، حين تتوفر الرؤية الصادقة واللغة البصرية القادرة على تحويل التراث إلى قصة حيّة، ترويها الكاميرا بشغف، ويستقبلها الجمهور بفضول ومتعة.















